فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 159

ومقتضى إنزاله وتيسيره باللغة العربية أنه يفهم من خلال أساليبها اللغوية, إذا لم يعارضها معارض شرعي راجح, وهذا أصلًا ليس شأنًا مختصًا بالقرآن, بل هو شأن عام في الكتب السماوية, كما قال تعالى:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ}

وعليه فكل منهج حديث لقراءة النص يتنكب"معهود الأميين في أوضاعهم اللغوية"فهو مصادم لمبدأ انزال القرآن بلغة العرب ومعارض لمنهج القرون المفضلة في التلقي والاستدلال.

والباحث المسلم إذا وازن بين"أئمة القرون المفضلة"وبين"دعاة تجديد منهج القراءة"من حيث الأركان الأربعة لفهم"خطاب الوحي"وهي: استيعاب النصوص وتمييز درجات ثبوتها, والخبرة بأوضاع العرب في استعمالاتهم اللغوية وأنماط تعبيرهم التي هي لغة الوحي, وتحصيل اجتهادات السابقين في تفسير نصوص الوحي والقدر المشترك فيها والقدر المختلف, وعمق الديانة والصدق والتجرد في الوصول للمراد الالهي وليس استجابة لضغوط خارجة عن حقيقة النص.

إذا وازن الباحث هذه الأركان الأربعة بين الفريقين علم أنه لانسبة بينهما أصلًا, بل سيعلم الانسان أن كثيرًا من دعاة تجديد القراءة إنما تسوروا تخصصات ليست لهم, وأن أكثرهم درس علومًا أجنبية قد تكون نافعة في ذاتها, لكنه للأسف ترك مجال استثمارها وصار يعبث في تخصصات لم يتأهل لها.

ومن أصول القرون المفضلة في التلقي والاستدلال أنهم لايسقطون المخترعات والكشوف العلمية على نصوص القرآن والسنة, ولذلك قال الامام الشاطبي في الموافقات:

(تكلف أهل العلوم الطبيعية وغيرها الاحتجاج على صحة الأخذ في علومهم بآيات من القرآن وأحاديث عن النبي, كما استدل أهل العدد بقوله تعالى"فاسأل العادِّين", وأهل الهندسة بقوله تعالى"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها", وأهل التعديل النجومى بقوله تعالى"الشمس والقمر بحسبان", وأهل المنطق في أن نقيض الكلية السالبة جزئية موجبة بقوله تعالى"إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب", وأهل خط الرمل بقوله سبحانه"أو أثارة من علم"وقوله عليه السلام"كان نبي يخط في الرمل"رواه مسلم, إلى غير ذلك مما هو مسطور في الكتب)

كما أنهم لايعتبرون فقه الأئمة المستنبط من الوحي مجرد اقتراض ثقافي أو صراع سياسي, كما أنهم لايكتفون بالامكانية اللغوية لتعيين الدلالات بل يضيفون إلى ذلك دراسة سياق النص, وتتبع الطرق والمرويات وتحليل أسانيدها, وعلاقة الدلالة بمقاصد الشريعة, وتفسير النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية, ويوازنون ذلك بتصرفات النبي وتطبيقاته, وماورد من نصوص أخرى في ذات الموضوع.

كما أن للسلف منهج عام مشترك في أصوله الكبرى في قرائن قبول الأخبار وقواعد الثبوت, وهذه القواعد لايعرفها -فضلًا عن أن يطبقها- أكثر المخالفين لمنهج القرون المفضلة, فكيف يقال أن السلف ليس لهم منهج في التلقي والاستدلال؟!

كما أن للقرون المفضلة منهج عام مشترك في إلحاق الحكم غير المنصوص بالمنصوص, كما أنهم لايربطون التشريعات بحكم عامة منتشرة غير منضبطة, ولهم مسالك دار عليها كلامهم في كشف مناطات الأحكام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت