شتان بين النقد الجزئي المنهجي الشرعي, وبين الاسقاط الكلي المبني على سوء الظن وامتلاء القلب بالغل للقرون المفضلة, والفرق بينهما ظاهر جدًا.
وبعض الناس يقول أن (القرون المفضلة ليس لهم منهج في التلقي والاستدلال أصلًا, وإنما هذه دعاية روجها السلفيون المعاصرون) وهذه مغالطة صريحة, فالقرون المفضلة لهم منهج واضح الملامح والمعالم, منها معالم نقلية أثرية, ومنها معالم عقلية نظرية, ومنها معالم سلوكية أخلاقية.
فأول معالم منهجهم في التلقي والاستدلال"تعظيم الوحي"والانقياد له, وجمعه كله وعدم"تبعيض الكتاب", واستقراء سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وأحواله, وكل من خالف منهج القرون المفضلة في أصل من الأصول فستجد منبع ذلك حتمًا آفة"تبعيض الكتاب", إما تبعيض ألفاظه وإما تبعيض معانيه.
كما أنهم يتتبعون"فهم سلفهم"الذي تقدمهم فيعينون القدر المشترك بينهم, والقدر المختلف, ويعملون بما تتابع عليه سلفهم, ويرجحون فيما اختلفوا فيه.
كما أنهم لايقبلون"المنهج الرمزي"الاشاري الذي يجعل أدنى علاقة بين الدال والمدلول مسوغًا لحمل النص عليه, ولا"المنهج الباطني"الذي يجعل النص أسرارًا, ولا"المنهج المعجمي"الذي ينسج منظومة الاسلام عبر لعبة"الفروق اللغوية"كالتفريق بين الكتاب والقرآن, والتفريق بين الدين والاسلام, والتفريق بين النبي والرسول, ونحوها ثم يبني على ذلك معطيات تشريعية جديدة, كما أن القرون المفضلة لايتتبعون مساحات"اللامفكر فيه"ويجعلونه هو المعنى الأصلي ويزيحون مافهمه سلفهم أصلًا, كما أنهم لايجعلون الوحي"نص مفتوح"عائم الدلالات تتعدد معانيه بعدد قرائه, كما في القراءات التفكيكية المحدثة.
بل لايستعيرون أصلًا مناهج أخرى لفهم الوحي مستمدة من طبيعة"لغات أخرى"تخالف طبيعة لغة القرآن, بل جرت القرون المفضلة على فهم لغة الوحي طبقًا لـ"معهود الأميين"في الاستعمال والتناول والتعاطي إذا لم يعارضها معارض راجح, ولذلك حرصوا على تتبع ديوان العرب الذي هو سجل لغتهم, بل لم يكتسب"علماء اللغة"هذا الوزن في تاريخ الاسلام إلا بسبب ماأدلوا به الى الشريعة من هذا السبب, وقد عقد الشاطبي لذلك عدة فصول في كتابه الموافقات لتحليل هذا المبدأ وبرهنته والاحتجاج له, منها قوله:
(فصل: لابد في فهم الشريعة من اتباع"معهود الأميين", وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم, فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة, وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا تعرفه وهذا جار في المعانى والألفاظ والأساليب)
وهذا الأصل الذي ذكره ابواسحاق الشاطبي مبني على قوله تعالى:
{إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]
{وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [طه:113]
{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الدخان:58]