فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 159

كمصنف ابن أبي شيبة والتمهيد والاستذكار والمحلى والمجموع والمغني علم قدر الجهود التطبيقية الجبارة التي تتابعت عليها قرون بعد قرون.

والمراد أنه في نهاية ذلك كله ينتج المصطلح الشرعي النهائي محملًا بخلاصة توازنات النصوص الشرعية.

فأين هذا العمل المنظم الجادّ المعتضد بشهادة الشارع بالفضل من منهج يطير بموضة ألسنية ويختزل نصًا واحدًا ليسقط التجربة عليه, ويهدر بذلك مجموع النصوص المتماسكة والتصرفات التطبيقية؟

بل إن كثيرًا منهم لايدري شيئًا من آليات"فحص الثبوت"أصلًا, بل تجد أمثال هؤلاء أحد رجلين, إما مكابر عن السنة وعلومها أصلًا, وإما حاطب ليل لايميز بين مرتبة الصحيحين, والسنن الأربعة, وتاريخ ابن الجوزي, والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني, فضلًا عن أن يعرف المتواتر من المستفيض من الغريب, وهذا له نماذج كثيرة بعضها أقرب الى الطرافة منها إلى الدراسة العلمية, إذ ليس في رؤوس المفكرين الداعين الى التجديد الانقلابي اليوم مفكر واحد له دراية وخبرة بعلوم السنة وقوانين القبول والرد, وتمييز العلل الاسنادية والمتنية, ودرجات الثبوت, وقرائن تقوية الأخبار.

وإزاء كل هذا الجهل المطبق بالعلوم التي ينبني على أساسها"المعطى الثاني"لفهم الشريعة فإنك تجد بعضهم في غاية الجرأة على إطلاق الأحكام العشوائية المرسلة, فكم هو مشهد مؤلم حين ترى مستوى الجرأة مع هذه الهشاشة العميقة.

والحقيقة أنه حين يعرض الحديث عن مخاطر الازراء بالقرون المفضلة واللهج بتعظيم الكفار, يتساءل البعض بأنه ماقيمة الحديث عن أمر قلبي وهو حب السلف وبغض الكفار, فما هو الأثر العملي لذلك؟ فالمهم هو اتباع الكتاب والسنة, ولاداعي للحديث عن امتلاء القلب بحب القرون المفضلة, والصواب أن أعظم أثر لذلك هو مارواه البخاري ومسلم في صحيحيهما -وهو حديث متواتر أصلًا- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

(جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"المرء مع من أحب") .

ولذلك فإن الله ذكر عن صفات اللاحقين من أهل الايمان سلامتهم من الغل لمن سبقهم من أهل الايمان, كما قال تعالى:

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَااغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10]

وأما مايذكره البعض من أن"تعظيم القرون المفضلة"مؤداه أنه"لايجوز نقد التراث الاسلامي"وأنه يعني رفع التراث إلى"مرتبة المقدس"ونحو هذه العبارات, فهذا مرده سوء الفهم, إذ هناك فرق ظاهر بين"الاسقاط الجُمْلي"للتراث عبر آليتي التسييس والمديونية اللتين مآلهما رد التراث إلى الاقتراض الثقافي أو الصراعات السياسية, وبين"النقد الجزئي"المستمد من قواعد الكتاب والسنة ومنهج القرون المفضلة, والذي هو معنى التجديد أصلًا.

ولذلك فإن أئمة السلف كمالك والشافعي وأحمد ومن بعدهم من المحققين كابن تيمية والشاطبي والذهبي وغيرهم انتقدوا كثيرًا من المخالفات الكلامية والأصولية والسلوكية الواردة في بعض كتب التراث عبر حاكمية الوحي, لكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت