(كان فقهاء أهل المدينة الذين كانوا يصدرون عن رأيهم سبعة: ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وسالم، والقاسم، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد, وكانوا إذا جاءتهم مسألة دخلوا فيها جميعا فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون فيها فيصدرون) اعلام النبلاء 4/ 461
بل بلغ الحال بشغف التابعين بالتلقي عن الصحابة أن بلغ بعضهم الاحتجاج بقول كبار فقهاء الصحابة, حتى إن ابن عباس لم يرتض ذلك منهم, وقال لهم (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء, أقول لكم قال النبي صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر)
واحتج بعض التابعين على ابن عمر في مسألة متعة الحج بقول عمر بن الخطاب, فقال لهم: (أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟)
فهذا مما يكشف كيف بلغ عمق حفاوة التابعين بما تلقوه من علوم الصحابة, وماأخذوه عنهم من معاني الكتاب والسنة, وأن"علم أئمة التابعين"متلقى في أصله من"علم الصحابة".
ثم استمر السلف في تناقل"فقه الوحي"حتى آل ذلك إلى المذاهب المتبوعة كمذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة, واجتهد من جاء بعدهم في ايضاحه وشرحه والاستدلال له وتحقيق مسائله.
والمراد من ذلك كله أن حقيقة الاسلام لاتخرج عن دواوين الاسلام المشهورة المعروفة, ولايحتاج الوحي لفهمه مناهج غربية محدثة تعلِّم المسلمين فهم دينهم ونصوص ربهم بما لم يفهمه سلفهم, بل يحتاج في الحقيقة إلى تشمير سواعد البحث في تحقيق منهج القرون المفضلة, ودعوة الناس إليه لننال الأجر والثواب من الله, والنصر والتوفيق في مشروعنا الاسلامي.
والحقيقة أن الباحث العلمي إذا ابتعد عن الضجيج التسويقي لمناهج الألسنية, ووازن بـ"هدوء"بين"نماذج القراءة الحديثة للنص"وبين"النموذج الفقهي الاسلامي"والذي تضمنته المدونات النظرية لأصول الفقه وقواعده ومقاصده, والمدونات التطبيقية للفقه الاسلامي المقارن, فإنه سيشعر بحجم الافلاس العميق وضعف الاقناع وغياب المنطقية والعقلانية في مناهج القراءة الحديثة المخالفة لمنهج القرون المفضلة, وأنها كلها افتراضات تقبل اثبات العكس.
فالجهاز الأصولي/الفقهي في التراث الاسلامي منظم بشكل متماسك ومبهر, وأكثر جدية في تلمس الدلالة واقناع القارئ بها, بل لانسبة بينهما أصلًا, فالجهاز الأصولي/الفقهي يستوفي كافة المعطيات كطبيعة اللغة التي نزل بها القرآن, ويتتبع أنماط أساليبها اللغوية في الدلالة, وينظم العلاقة بينها, ويدرس أثر السياق الذي نزل فيه النص, ودلالة النصوص الأخرى في ذات الموضوع, مع استيعاب تصرفات الشارع التطبيقية, إذ النصوص بنية متماسكة, معتضدًا في ذلك بنتائج علم أصول الحديث التي يقع فيها تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم واستيعاب طرقها وتمييز درجات اليقين في ثبوتها, ومن كان له طرف علم بفن أصول الحديث علم أن لأهل الحديث من اليقين بالثبوت بسبب توارد الطرق ماليس لغيرهم,"وكل من كان لنور النبوة أجمع كان كلامه أحكم وأنفع".
ثم تتابع على هذا الصقل والمدارسة والابداء والاعادة عباقرة في تاريخ الاسلام شهد العام والخاص بحذقهم وبراعتهم وتقواهم واخلاصهم, ودرسوا مسائل الشريعة فرعًا فرعًا وأدلى كل منهم فيها بدلوه, ومن تأمل موسوعات الاسلام