فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 159

(نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)

بل لقد كانت بعض"نساء الصحابة"تجري مدامعهن تفجعًا على الوحي الإلهي, وقد روى الامام مسلم في صحيحه ذلك المشهد البليغ في رسم علاقة الصحابة بالوحي, حيث روى مسلم عن أنس قال:

(قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها, فلما انتهينا إليها بكت, فقالا لها: مايبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ماعند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم, ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء, فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها) .

بهذه القلوب المتشبعة بالتربية النبوية لمعنى"عظمة الوحي"بلغت هذه النفوس المستنيرة تلك المنازل والدرجات الرفيعة والشرف الراقي, لابقلوب يشعر أصحابها أن"الوحي"عبء يجب تكريس الدراسات الانثروبولوجية لزحزحة هيمنته على الشباب المسلم.

على أية حال .. النصوص في هذا المعنى كثيرة معلومة, والقدر المشترك بينها أن صحابة رسول الله"فقهوا"معاني الوحي, واهتدوا إلى"دلالاته", وكانوا على بصيرة من دينهم, بصورة أكمل من كل من جاء بعدهم, وقد شهد لهم الشارع شهادة عامة بالبصيرة, وشهادة خاصة لبعض أعيانهم بكمال العلم, وبالتالي فإن"منهج قراءة النص"عند صحابة رسول الله ومن سار على هديهم هو أكمل المناهج, والشرف كل الشرف في الاجتهاد في تحقيقه وتتبعه لا في مناهضته ومجافاته.

والمراد هاهنا أن نصل إلى النتيجة التالية وهي أن: من تأمل"قيام المقتضي"الذي سبقت الاشارة إليه وهو نهمة الصحابة رجالًا ونساءً بالوحي, وماينضاف إليه من شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وكمال حرصه على"تعليم الكتاب والحكمة", ثم ثناء الشارع على علم الصحابة عمومًا وتخصيصه بعض أعيانهم بمزيد من العلم, فكيف يتصور مع قيام هذا المُقتضِي القطعي أن يتخلف عنه مقتضاه؟ فيكون"منهج قراءة النص"عند الصحابة منهج قاصر لايفهم النص كما ينبغي, وتكون مناهج"قراءة النص"التي اخترعها طوائف من الكفار المحرومين من نور النبوة والغافلين عن ذكر الله هي الأجدر بفهم كتاب الله وسنة رسوله؟ هل يقول هذا شخص يحترم قواعد البحث العلمي؟

ثم إذا تأمل الباحث المتجرد الوثائق التاريخية الدقيقة التي رصدت"الحياة العلمية"لأئمة التابعين سيما كبار التابعين مثل مسروق بن الأجدع وشريح القاضي وسعيد بن المسيب, ومن يلي هذه الطبقة كالشعبي وسعيد بن جبير ومجاهد بن جبر والحسن البصري ومحمد بن سيرين وطاووس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح, وغيرهم كثير, فإنه سيرى تنافسهم الأخاذ في تتبع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للتلقي عنهم, وسؤالهم عن تفسير القرآن, وماحفظوه من مرويات السنة, وتفاصيل الأحكام الحادثة مما هو معروف مشهور, حتى أن الامام مجاهد بن جبر استوقف ابن عباس عند كل آية من كتاب الله وسأله عنها, كما روى ابن إسحاق عن مجاهد، قال:

(عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أقفه عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت) أعلام النبلاء 4/ 450

وكانوا يتشاورون في مسائل تفسير الوحي ويتداولون الاجتهاد مع كمال التحري والصدق, كما قال ابن المبارك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت