فلما طلب أهل اليمن من يعلمهم"السنة والاسلام"أرسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم أباعبيدة بمقتضى كونه"أمين الأمة"مما يبين أن هذا الوصف يستلزم كمال العلم بالوحي وحسن فهمه وفقه معانيه.
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وصف علي بن أبي طالب بوصف يتضمن كمال العلم كما في الصحيحين عن سعد بن ابي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي:
(أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) .
فهل يعقل أن يبلغ علي هذه المنزلة الرفيعة وهو جاهل بمعاني الوحي؟! سيما أن الله تعالى يقول:
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]
بل إن من أكثر منازل الصحابة إبهارًا يقشعر له جسد المؤمن ماورد في مكانة"سعد بن معاذ", حيث روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله أنه قال"بينما كانت جنازة سعد بن معاذ موضوعة بين أيديهم"سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)
فهذا الصحابي الجليل ذو المنزلة الرفيعة السامية هل يعقل أن يهتز العرش الإلهي لموته وهو جاهل بمعاني كلام الله وكلام رسوله؟ أو أن لديه"منهج قاصر"لقراءة النص؟ فهل بلغ تلك الغاية إلا بسبب كمال اهتدائه للمعنى ثم عمله بمااهتدى إليه؟
ومما يجلي هذا المعنى أن يلاحظ الباحث"قيام المقتضي"وهو شدة تشوف الصحابة وشغفهم وتشوقهم للقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتفانيهم وتنافسهم فيها, فهل يعقل أن يكون الصحابة معرضين عن سؤال النبي عن معاني الوحي مع هذا الشغف المعروف عنهم به؟ ومما يؤكد هذا الشغف ماروى الامام مسلم في صحيحه عن عبدالله بن مسعود أنه قال:
(والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت, وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت, ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه) .
بل إن صغار الصحابة كانوا يتتبعون كبارهم لتلقي مافاتهم من معاني الوحي, كما روى ابن سعد بسنده عن ابن عباس قال:
(لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت لرجل من الانصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبا لك يا ابن عباس, أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي عليه السلام من ترى؟ فترك ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح علي التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك) أعلام النبلاء 3/ 343.
ولم يكن هذا الشغف بالوحي والتفقه في معانيه مقتصرًا على الرجال في عصر الصحابة, بل كان أيضًا هذا شأن النساء, ولذلك روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: