فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 159

وقال تعالى في مطلع سورة الجمعة:

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]

فإذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يفهموا النص الشرعي كما ينبغي, فإن هذا مقتضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلِّم صحابته الكتاب والحكمة حاشاه عليه السلام, وبالتالي فإن التابعين الذين تلقوا عن الصحابة لم يتلقوا معنى النص الشرعي أصلًا, وهكذا من بعدهم من قرون الأمة الذين بقوا في غاية الجهل في أهم المطالب وهي فهم الوحي, فكم هي صورة بائسة آل إليها هذا الخطاب.

وإذا استوعب الانسان دلالة هذه الآية حول قيام النبي بأمانة"تعليم الكتاب والحكمة"فحتمًا سيتوضح له أنه يستحيل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى أصحابه يمارسون"مناهج قاصرة"لفهم النص فأهملهم ولم ينبههم, بل تركهم يهيمون في هذه المناهج المختلة, فهل يستقيم هذا مع شدة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وكمال نصحه لهم وحرصه على هدايتهم؟!

والواقع أن الله سبحانه وتعالى أثبت أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين اتبعوه قد اهتدوا بالعلم كما قال تعالى:

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]

فبين القرآن أن الصحابة الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على بصيرة, والبصيرة ليست حفظ الحروف والألفاظ, وإنما عقل المعاني وحسن فهمها والفقه فيها, فلو كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفهموا الوحي فمقتضى ذلك أنهم ليسوا على بصيرة, وهذا مصادمة لدلالة هذه الآية.

وبغض النظر عن هذه الشواهد العامة التي تدل على فقه الصحابة ودقة فهمهم لنصوص الوحي, فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على كثير من أعيان الصحابه بفهمهم للنص وفقههم فيه وحسن تأويلهم للقرآن, بمايعني صحة"منهج القراءة"عندهم, ومن ذلك ماروى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(بينا أنا نائم إذ رأيت قدحًا أتيت به فيه لبن, فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري, ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب) قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: (العلم) .

فهذه شهادة جليله من الشارع على مابلغه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من مراتب العلم في فهم الوحي واستيعاب دلالاته.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف أباعبيدة بـ"أمين الأمة"كما روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(إن لكل أمة أمينًا, وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح) .

ومقتضى"أمانة الأمة"كمال العلم, إذ لاتكون"أمانة الأمة"لجاهل بكلام الله وكلام رسوله, ومما يبين هذا ويوضحه ماروى مسلم في صحيحه عن أنس:

(أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنَّة والإسلام, قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال:"هذا أمين هذه الأمة") .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت