فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 159

يمكن القول ببداهة ظاهرة أن القرون المفضلة كانت لاتعرف النظريات العلمية والخبرة البشرية الحديثة كالنظريات الفيزيائية والرياضية والطبية الحديثة المنتمية لعلوم العمران, هذا أمر يعرفه ويقر به كل عاقل, بل إن النبي صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره أثبت أن الصحابة أعلم منه ببعض أمور العمران, كما في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن التأبير (أنتم أعلم بأمر دنياكم) , فإذا كان بعض الصحابة أعلم من رسول الله ببعض علوم العمران, فمن بعد الصحابة أولى بجواز ذلك بالنسبة للصحابة, وهذا لايخالف فيه أحد من علماء الاسلام.

لكن الذي يستحيل القول به هو أن تكون القرون المفضلة لم تفهم الوحي كما ينبغي وأن المناهج الغربية المعاصرة هي التي يمكن لها أن تقدم لنا الأسلوب العلمي الصحيح لفهمه, هذا تفكير خرافي ينتهي بإقالة العقل والتفكير المنهجي السليم, وليس وراء ذلك من العقل حبة خردل.

وفضلًا عن ذلك فهذا ينطوي على اتهام ضمني لأمة الاسلام طوال قرونها السابقة بالضلال الديني, والانحراف في فهم النصوص, فإن كان ثمة نزعة غلو في التكفير في بعض المنتسبين للاسلاميين, فهذا التكفير الذي تضمنته لوازم هذه المقالة لغلاة المدنية أشد وأبشع وأكثر فظاعة.

وبعض هؤلاء يحاول الفصل بين"الفضيلة"و"الهدى"فتراه يقول لك: صحيح أنه ورد أحاديث متواترة قطعية الثبوت في فضل القرون المفضلة, لكن هذا يدل فقط على"فضلهم"ولايقتضي"علمهم"بالنصوص, فآل هذا الكلام الى أن الصحابة والتابعين وتابعيهم فضلاء في أنفسهم, لكنهم غير مهتدون في دينهم, فكيف تتحقق الهداية بلاعلم إذ الجهل مفتاح الضلال, وكل من لم يهتدِ فهو ضال كما قال تعالى:

{فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} [النحل: 36]

فالله تعالى لم يرفع منزلة الجاهل بكتابه, بل خفض منزلته كما قال تعالى:

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ} [البقرة:78]

والعلم قرين الايمان في كتاب الله كما قال تعالى:

{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ} [الروم:56]

وفي حادثة مشابهة تكلم الامام ابن تيمية عمن أبهرته"تقريرات المتأخرين"فجعلهم أعلم من القرون المفضلة, فكان مؤدى ذلك كما يقول الامام ابن تيمية:

(كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين, واستبلاههم, واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين بمنزلة الصالحين من العامة, لم يتبحروا في حقائق العلم بالله, ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي, وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله, ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده: في غاية الجهالة؛ بل في غاية الضلالة) مجموع الفتاوى (5/ 10)

بل إن مقتضى الخروج عن منهج القرون المفضلة وتجهيلهم في معاني الوحي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤدِّ أمانة"تعليم الكتاب والحكمة"وإنما أدى وظيفة"تلاوة الألفاظ فقط", وكلاهما أمانتان أداهما رسول الله على أتم وجه, وقد عرض الله ذلك في معرض الامتنان على هذه الأمة, كما قال تعالى:

(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران:164]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت