وتلاحظ في حديث المجدِّد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"من يجدد لها دينها"فنسب الدين للأمة, ودين الأمة هو المعروف مسبقًا المطمور وقت التجديد, وليس هو الفهم الشخصي المخترَع, فإن صاحب الفهم الشخصي المخترَع لم يجدد لها دينها بل ابتكر لها دينًا مستقلًا من عنده.
وقد ذكر تعالى في كتابه أن جمهور آيات القرآن هي آيات محكمة المعاني, كما قال تعالى في سورة آل عمران:
{هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}
فجعل المحكمات هن"أم الكتاب"أي أصله وأساسه, ومقتضى كونها محكمة إمكانية فهمها, وبالتالي إمكانية فهم القرون المفضلة لهذه الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب وغالبه, وعليه فإن من اعتقد أن القرون المفضلة لم تفهم أصول معاني النصوص الشرعية كما ينبغي, فهذا مؤداه أن جمهور آيات الوحي ليست بمحكمة أصلًا, فهذا طعن في أم الكتاب وجعله متشابه موهِم.
فهل يخطر ببال باحث يحترم مقتضيات البحث العلمي أن الله أنزل إلينا"ألفاظًا"ليختبر إمكانيات كل جيل في التحليق بمعانيها كيفما اتفق؟ وأن الله سبحانه وتعالى لايعنيه المراد الالهي فيها بقدر مايعنيه مراعاة ألفاظها؟! وأن الاحتمالات الدلالية لألفاظها كلها خيارات متاحة؟! هذا عبث ينزه الشارع عنه, ويتناقض مع وصف القرآن لأم الكتاب بأنه"محكم".
بل إن هذه الدعوة الى تجاوز فهم القرون المفضلة واختراع منهج جديد للفهم هو مما أيقظنا الشارع إلى حدوثه, وحذرنا من أهله فقد روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم» .
فما لم يكن على العهد الأول من أمر الدين فليس بشئ.
وذكر ذلك النبي صلى الله عليه في سياق آخر كما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
«ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف: يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»
فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن حوارييه وأصحابه يقتدون بسنته ويستنون بامره, وليس يأخذون فقط ألفاظ النصوص.
ومن طرائف المفارقات العجيبة أنك تجد المتطرفين في دعاوى"تجديد القراءة"شديدي التبرم بظواهر التكفير والتبديع, ويكثرون من الحط عليها, مع أنهم يقعون في ألوان من التضليل هي أشد وأعتى, فهم يضللون الأمة خمسة عشر قرنًا ويرونها لم تفهم نصوص ربها, ويعتبرونها كانت في غاية السذاجة في أهم المطالب, وأننا لايمكن أن نفهم نصوص ربنا حق فهمها حتى نوظف مناهج الألسنية والآركيولوجيا والتفكيكية والسيميولوجيا والهرمنيوطيقيا ونحوها من المناهج الحديثة التي كثر الحديث عنها هذه الأيام, فأي تضليل للأمة ورميها بالانحراف أبشع من ذلك؟!