فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 159

وقد تتابع أهل الحديث على تصحيح هذا الخبر, ومن المعلوم أنه لو كان"هدي الخلفاء الراشدين"ليس فيه قدر زائد في كشف الهدي الشرعي لما ذكره صلى الله عليه وسلم, فكيف وقد أكد على ذلك بقوله"تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ".

وليس يخفى على من له أدنى بصيرة أن هدي الخلفاء الراشدين لايقتصر على مراعاة ألفاظ النصوص, بل يدخل في ذلك دخولًا أوليًا منهجهم في التلقي والاستدلال وفهم النصوص الشرعية وتنظيم العلاقة بينها.

وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين تكلم عن النظم السياسية التي تعقبه بين أن أصحها ماكان على المنهاج النبوي, كما قال صلى الله عليه وسلم (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها) ثم قال بعد ذلك (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)

ومنهاج النبوة ليس هو مراعاة ألفاظ القرآن والحديث, بل يدخل في ذلك دخولًا أوليًا الأحوال والمنهج وطرائق التلقي للوحي, فإذا حافظنا على ألفاظ الوحي وتسلطنا عليها بمنهج جديد للفهم لم تكن عليه القرون المفضلة لم نكن على منهاج النبوة أصلًا.

ومن وجه آخر فإن النبي صلى الله عليه أثبت اهتداء الخلافة الراشدة بعده بمنهاج النبوة, وعليه فإن من خرج عن منهجهم وهديهم في التلقي والاستدلال فقد خالف بطريق اللزوم منهاج النبوة, ومن التناقض القول بأن منهج الخلافة الراشدة كان على منهاج النبوة ولكن يجوز مخالفته!

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن هذا الخلل في تنكب الاهتداء بهديه كما روى البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يكون بعدي أئمة يستنون بغير سنتي, ويهدون بغير هديي, تعرف منهم وتنكر)

وهذا الاتباع لهدي السلف ليس خاصًا بعصرنا أو بعصر من بعد القرون المفضلة, بل حتى القرون المفضلة ذاتها كل جيل منها يهتدي بهدي سلفه, وجاء ذلك في كتاب الله حيث أن الله تعالى أثنى على من بعد السابقين من الصحابة بكونهم"اتبعوا"السابقين, كما قال تعالى عن هذين الجيلين من الصحابة:

{وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} [التوبة:100]

ولو لم يكن هدي سابقي الصحابة محلًا للاتباع لما أثنى على من اتبعهم بهذه الصفة, فهذه الآية دلت على فضل اتباع السلف الصالح وهم في مرتبة واحدة وهي مرتبة الصحابة, فكيف سيكون فضل ومنزلة ذلك إذا تفاوتت المراتب تفاوتًا عظيمًا, فعلم أن اتباع القرون المفضلة هو من أعظم أسباب الهداية والرفعة في ميزان الله.

ومما يبين دلالة هذه الآية ويوضحها أن عبدالرحمن بن عوف كان يطلب البيعة على"سيرة الشيخين"ولذلك كان جواب عثمان كما روى البخاري في صحيحه من حديث المسور بن مخرمة, أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال:

(أبايعك على سنة الله ورسوله, والخليفتين من بعده)

فهذا اهتداء بمن سبق من سلفهم, ولو لم يكن لذكر سنة الشيخين دلالة على معنى اضافي في كشف الهدى الشرعي وايضاحه لما ذكره عثمان بن عفان في توليته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت