وللأسف فإن كثيرًا من هذه الدعوات تعني بقراءة النص اختراع مضامين جديدة يمكن إدراجها تحت ألفاظ النصوص, فغاية مافي هذا المنهج الحفاظ على"لفظ النص"فقط دون فحواه ومضمونه, فهو تفريغ لوعاء النص من مضمونه الأصلي وصب مضمون جديد فيه, وهذا مسخ لدين الله ليس من التجديد المحمود في شئ, فهل يعقل أن يكون المراد الالهي بالوحي الذي أنزله الله, وحض على اتباعه, وأمر بالاستسلام له, وعاقب على الاعراض عنه؛ هو مجرد"صورة ألفاظ"لامضامين ولامحتوى, بل هل يعقل أن يكون جوهر الوحي و"أصول معانيه"تتناقض الاجيال في تفسيرها جذريًا؟! بل هل يعقل أن تكون"أصول معاني الوحي"تجهلها القرون المفضلة؟!
فلايتشرف الباحث المسلم أن يغرق في هذا اللون من التجديد, بل الشرف كل الشرف في مناهضته وتبيين بطلانه وصيانة عقول شباب الاسلام من كوارثه.
والواقع أن هذا التفسير الانقلابي لمعنى التجديد قد تسرب جزء كبير منه من خلال التأثر الخاطئ بقراءة تاريخ الفلسفة والنظريات العلمية, ومحاولة اسقاط فكرة الثورات والنظريات والتحولات الجذرية والانقلابات العلمية المفاهيمية على"العلوم الشرعية"وهذا خطأ قاتل, فالعلوم المدنية يقبل فيها معنى الاختراع, بل كثيرًا مايكون الاختراع موضع الابداع, أما المعاني الدينية فلايحمد فيها الاختراع, بل موضع الابداع فيها القدرة على العودة للأمر الأول.
وغاية مايحمد الاختراع في العلوم الشرعية هو في الوسائل والآليات لا في أصول المعاني والمفاهيم, بل الاختراع في"أصول المعاني"إحداث وابتداع مذموم, فانظر كيف تحولت البدعة المذمومة في الشرع الى مطلب محمود عبر ألاعيب الألفاظ!
والعودة للأمر الأول لاتقتصر على"لفظ النص"فقط, بل اللفظ والمحتوى ومنهج القراءة, إذ منهج القراءة هو الواسطة بين اللفظ والمحتوى, فإذا بدلنا منهج القراءة عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة القرون المفضلة أنتج لنا محتوى مختلفًا ليس هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا هدي أصحابه.
وبالتالي فإن"منهج القرون المفضلة في التلقي والاستدلال"حجة لايداخل الباحث فيها شك, ومما يدل على ذلك أمور كثيرة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم بين معلم النجاة فقال: (هم من كان على مثل ماأنا عليه اليوم وأصحابي)
ومماثلة منهج النبي وأصحابه لاتكون بأخذ ألفاظهم فقط, وادراج ماشئنا فيها من المعاني والمضامين, بل يكون ذلك بالاقتداء بمنهجه وتتبع أحواله.
كما أنه لولا أن لهدي أصحابه قدر زائد في كشف الدلالة والهدى الشرعي لماذكره, بل لاقتصر على قوله هم من كان على مثل ماأنا عليه.
وهذا شأن الشارع في شواهد متعددة حيث يشير فيها إلى دور هدي الصحابة وسيرتهم في كشف"الهدي الشرعي"واستيفاء معالم هدي النبوة, ومن ذلك الحديث المشهور الذي رواه ابوداود والترمذي بسند صحيح من حديث العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ)