كما أن تصرفات القرون المفضلة في"قراءة نصوص الوحي"كشفت أن لهم منهجًا عقليًا موافقًا للشريعة, كمراعاة مفهوم اللزوم والاقتضاء, ومفهوم الجامع والفارق وأثرهما على الاشتراك والافتراق في الأحكام, ومفهوم الاطراد وأثره على صحة المبدأ المستنبط, ومفهوم المعارض الراجح وأثره في تقييد الدلالات, وتمييز مراتب المدركات كالقطع والظن, وماتواردت عليه المعطيات, ومفهوم تعدد المدرك والمأخذ ككون الشئ محبوب من وجه مبغوض من وجه, وغير ذلك من أصول النظر العقلي السلفي الموافقة للشريعة وأمثال القرآن.
كما أنهم لايغالون في ربط الشعائر بعلل سلوكية محضة, ولايغالون في ربط التشريعات بغايات اجتماعية خالصة, ولايعظمون المعاني الكلية ويفرغونها من تطبيقاتها, ولايسقطون الاصطلاحات الحادثة على نصوص الشارع, وإذا تضمنت المفردة العربية عدة احتمالات دلالية -وهو كثير- استعانوا بأنواع المرجحات الشرعية لتحديد الدلالة الراجحة.
كما أن للقرون المفضلة هدي سلوكي أخلاقي معروف في التلقي والاستدلال, مثل كراهية السؤال عما ليس تحته عمل, وذم أن يقفو الانسان ماليس له به علم من الدلالات, وتعظيم رد العلم الى الله فيما لم يتبين رجحانه, والتشنيع في الفتيا بلاعلم, وكراهة الإغراب, والاعتقاد بأثر التقوى وتزكية النفس في سلامة البصيرة والنظر والاهتداء لمعاني الوحي.
وماسبق كله مجرد أمثلة ونماذج وليس المراد الاستقصاء, وإنما المراد بيان وجه المغالطة عند من قال بعدم وجود منهج للقرون المفضلة في التلقي والاستدلال, برغم أن الأمر ظاهر جدًا ولله الحمد.
كما يلاحظ في خطاب تجديد القراءة أن من معاييره المضمرة"معيار المغايرة"بمعنى"مخالفة السائد", وهذا يذكرني بأحد أوجه الترجيح عند بعض من كتب في أصول الفقه الشيعي والتي هي"مخالفة الجمهور"!
فترى كثيرًا من غلاة المدنية يقولون لك: مالإضافة التي قدمتها بهذه الرؤية الدينية؟ وكأن المعيار في صحة الرؤية الدينية أن تغاير الموجود؟! أو يقولون لك أين استقلاليتك؟ وكأن معيار الصواب في المفاهيم الشرعية هو أن تخالف من حولك! والحقيقة أن هذا الأمر"دين"إنما يبحث الانسان فيه عن الحق والهدى وماكان عليه الأمر الأول, وليس غرضًا للمباهاة والمغايرة والاستقلالية الشخصية.
والمراد مما سبق كله برهنة"حجية منهج القرون المفضلة في التلقي والاستدلال"والذي ينبني عليه أن"التجديد"الذي يتشرف الانسان به هو العودة لمنهج القرون المفضلة, والاجتهاد في احياء مااندرس من معالم الاسلام.
ومن الملاحظ أن من أكثر مايجعل بعض الكتَّاب يتحاشون الاشارة لاحترامهم لـ"منهج القرون المفضلة"أمران:
أنهم رأوا أخطاء بعض المنتسبين للسلف كبعض البغي والتجني والفظاظة في الاحتساب الفكري على الأشخاص المعينين, أو جعل أقوال آحاد السلف منهجًا عامًا, أو مراعاة الأصول العلمية للسلف دون الأصول السلوكية الأخلاقية, ونحو ذلك, فصارت تلك الأخطاء الفردية فتنة لهم صرفتهم عن الخير, والواقع أنه كما أن أخطاء المنتسبين للكتاب والسنة لايجوز أن تقودنا لتركهما, فكذلك بعض أخطاء المنتسبين للقرون المفضلة يجب أن لاتقودنا لهجر منهجهم, بل الواجب الذب عن منهجهم واستنقاذه أن تلوثه تلك الأخطاء, وقد اشار الامام ابن تيمية اشارة لطيفة حول هذا الموضوع فقال: