كالتأنيث في قولك: (توقف سائق السيارة فجأًة فصدمتها) . ومثله قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145] .
فضمير المجرور في (منها) عائد على المضاف إليه (الدنيا) و (الآخرة) [1] ؛ بدلالة التأنيث،
ولأنَّهما المحدَّث عنهما. والمعنى: من كان يريد بعمله ثواب الدنيا، نؤته منها ما يكون جزاءً لعمله، أي: نؤتهِ منها ما نشاء مَّما قدَّرناه له [2] ،أو نؤته من ثوابها [3] . ومن كان يريد بعمله الآخرةَ، نؤته منها ما يكون جزاءً لعمله.
وقد يقال: إنَّ الضّمير- في الموضعين- عائدٌ على (ثواب) ، وتأنيث الضميرِ؛ لاكتسابِ المضاف التأنيث من المضاف إليه، وهذا إنْ صحَّ، لا يوجد فيه ما يقتضي الخروج عن ظاهِرِ اللفظِ، ما دام المعنى يقتضيه، وهو المحدَّث عنه.
وفي قوله تعالى: {نُؤْتِهِ مِنْهَا} التفات؛ إذ هو خروجٌ من غيبةٍ في قوله تعالى: {فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} ... [آل عمران: 144 - 145] إلى تكلُّمٍ بنون العظمةِ.
ومثله قوله تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117] .
فضميرُ المجرورِ في قوله: {فِيهَا صِرٌّ} عائدٌ على (ريح) ؛ إذ هي المحدَّث عنه، مع تأنيث الضمير.
أمّا قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة:96] ، فقد اخْتُلِف في ضمير المجرور من (طعامه) علامَ يعود؟
(1) - ينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم 10/ 483.
(2) - ينظر: معالم التّنزِيل 1/ 359.
(3) - ينظر: الكشّاف 1/ 424 وأنوار التنزيل 1/ 183 وروح المعاني م 2 ج 4/ 78.