فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 343

الحاكم ومن ثم حكم داوود بغنم الفقير للغني وهي بما أكلت دونما يزيده مالًا فهو جاره قُربا وجُنبًا وكان سُليمان عليه الصلاة والسلام إلى جانب أبيه فنظر من بعد الحُكم إلى وجه الفقير فرأه مُنخنق يكاد أن يبكي من ظلم أخيه له فليس لديه هو وألاده غير تلك الغُنيمات وهي مصدر عيشه الوحيد هو وألاده وأما أخيه فهو غني فلديه أغنام كثير ومزرعة ولكن المظلوم أناب إلى الله في نفسه يشكوا إليه ظُلم أخيه له فكيف يريد أن يضم غنمه القليل إلى أغنامة وهي لا تساوى إلى غنم أخيه الكثر إلا بنسبة واحد في المئة فلا يزال يحسده عليها نظرًا لأنه أحب إلى الناس منه ولكن المُتقين يجعل لهم الرحمن ودًا وهو يعلمُ بحاله ويعلمُ أنها مصدر عيشه هو وأولولاده فألهم الله سُليمان الحكم الحق بوحى التفهيم من الله بأن يذهب أبيه الحاكم بنفسه ومعه خبيرا بالحرث لكي يتم الإطلاع على ما أتلفت الغنم في الحرث ثم يتم تقديره بالحق من غير ظُلم ثم تبين لداوود عليه الصلاة والسلام من بعد الإطلاع أنه حكم على الرجل بالظن الذي لا يُغني من الحق شيئًا وتبين له إنما أعز المظلوم أخاه بالكلام وليس قدر الإتلاف في المزرعة حسب دعوى أخيه وتبين لهُ إنما أعزه في الخطاب بلحن دعوى الغني ثم حكم لصاحب الحرث بقدر حقه بالحق يُتم دفعه على مُكث من ذريات غنم الفقير ولبنها وسمنها ووبرها ولذلك قال الله تعالى:

(( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ(78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (79 ) )

وكما ترى فقد قال الله تعالى (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)

ولكن داوود بادئ الأمر ظلم الفقير بسبب حُكمه بالظن الذي لا يُغني من الحق شيئًا بسبب أن أخيه عزه بالكلام بين يدي داوود وظن داوود أن سكوت صاحب الغنم إعترافًا بكلام أخيه أنه حق فلم يرد على ما أدعاه أخيه بشئ من الإنكار ولذلك ظلم داوود الفقير بغير قصد منه ولكن الله ألهم سليمان الحكم الحق بوحي التفهيم وأتبع داوود حكم إبنه سليمان ثم حكم بالحق ولذلك قال الله تعالى: (((وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)

وأراد الله أن لا يعود خليفته داوود إلى ذلك فلم يكن هين عند الله ولو لم يكن بغير قصد من داوود فلا يجوز له أن ينطق بحكمه عن الهوى بل لكُل دعوى بُرهان وبينه مؤكدة وإذا لا توجد فعلى من أنكر اليمين ولذلك أبتعث الله إثنين من الملائكة تسوروا المحراب ولم يدخلوا من الباب وكان داوود عليه الصلاة والسلام ساجدا ً في سجوده الأخير في صلاته فجلس من سجوده فإذا هم امامه واقفين فأوجس منهم خيفة فكيف دخلوا من الباب وهو مُغلق ولكنهم رأوا الخوف قد ظهر منهم في وجه نبي الله داوود عليه الصلاة والسلام ثم طمأنوه

لقوله تعالى (( قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) [1]

ثم ظن داوود أنهما من الرعية مُختصمين كؤلئك الذين قضى بينهم من قبل ولم يكن يعلمُ انهم ملائكه أرسلهم الله اليه ليعلمانه أن ماقضى به بمافهمه الله لسليمان هو الحق فقال ما خطبكم ومن ثم ألقى الملك الذي يُمثل صاحب الأغنام القليل دعواه وقال كما ذكر ربنا:

قال تعالى (( إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) [2]

ويقصد أن أخيه غني وصاحب أغنام كثيرة بينما هو ليس لديه إلا بنسبة واحده في المئة ويقصد قلة أغنامة فضم غنمه القليل إلى غنمه الكثير وعزه بالكلام عند الحاكم بينما هم ملائكه وليس لديهم اغنام وإنما يريد الله من داوود أن يذكره بظلمه في حكمه للفقير من قبل لو لا أن

(1) ص:22

(2) ص:23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت