لكنَّ الحق سبحانه لن يحيي إلا الحق, وسيجعل الباطل غثاءً زبدًا زائلًا، فلم يبقَ لهذا المفتخر بماله وملكه إلا حطام ما مَلَكْ، {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} .
2ـ اغترار أمريكا بأنَّها الدولة القوية والتي لن تقف أمامها أية قوة، وفي أدبياتها أنَّ أيَّ تفكير لدولة ما تريد أنْ تتقوى أو تقف مناوئة لها، فإنَّها ستجلب على نفسها الدمار قبل بداية الحرب بواسطة الحروب الاستباقية الوقائية. وهذا بالضبط حال فرعون ومنطقه حين خاف أن يأتي من بني إسرائيل ابن يقتله ويقضي على ملكه، فما كان منه إلا أن استحل دماء الناس وفرضها حربًا وقائية له تنجيه من ذلك القتل.
وحين نمعن النظر في كلام قادة هذه الدولة المارقة، أو بحالها العملي مع الدول المخالفة لها فسنجد ذلك واضحًا جدًا، فها هي مادلين أولبرايت تقول في إحدى المقابلات معها في جامعة أمريكية: [في هذا الكون قوة عظمى واحدة؛ الولايات المتحدة!] .
وهذا ستيفن إيه دوجلاس يذكِّر مجلس الشيوخ الأمريكي عام [1858م] بحقيقة المنطق الطاغوتي القائل: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} حيث يقول: [إنَّ أمريكا أمَّة شابة نامية، تعج مثل خلية النحل، وكما أنَّ النحل في حاجة إلى الخلايا ليتجمع وينتج العسل، أقول لكم: إنَّ التكاثر والتضاعف والتوسع هو قانون وجود هذه الأمة] .
ومِمَّا يصدِّق كلام [دوجلاس] السابق ذكره ويدلِّلُ على حب هؤلاء الغزاة للتوسع والسيطرة على بلاد الله، ما قاله السيناتور هارت بنتون في القدم، في خطاب ألقاه أمام مجلس الشيوخ عام 1846م: [إنَّ قدر أمريكا الأبدي هو الغزو والتوسع، إنَّها مثل عصا هارون [يقصد موسى] التي صارت أفعى، ثمَّ ابتلعت كلَّ الحبال. فهكذا ستغزو أمريكا الأراضي، وتضمُّها إليها، أرضًا بعد أرض. ذلك هو قدرها المتجلي. أعطها الوقت، وستجدها تبتلع، كلَّ بضع سنوات مفازات بوسع معظم ممالك أوروبا. ذلك هو معدَّل توسعها].وأذا كانت أمريكا قد أغترت بقوتها، وظنت أنها القوة الوحيدة المسيطرة على عالمها والمهيمنة عليه، بل والمطلقة اليد والسراح فيه، فعاثت في الارض فسادا وإفسادا وقالوا غرورا وجهلا واستكبار ما حكاه القران عن قوما عاد (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ(15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) . فصلت 15 - 16. فكانت عاقبة أمرهم اليمة ونهايتهم حزينة كئيبة.
ويقول المؤرخ [ريتشارد إيميرمان] : [القوَّة والأمن الأمريكيين يعتمدان بشكل أساسي على الحصول على المواد الأولية من العالم، وبالتدخل في أسواقه الداخلية، وبالأخص في دول العالم الثالث التي يجب أن تبقيها الولايات المتحدة تحت السيطرة الشديدة] .