قوله: (إلا إذا دل الدليل على الاستحباب أو الإباحة) أي: أن الأمر لا يصرف عن الوجوب إلا بدليل يصرفه إلى غيره كالاستحباب أو الإباحة أو غيرهما، ولعل الشيخ اقتصر عليهما لكثرتهما في النصوص، وإلا فإن الأمر قد يرد لمعانٍ كثيرة.
فمثال الاستحباب حديث عبد الله بن مغفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلوا قبل المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء .. ) « (1) » ، فقوله: (لمن شاء) قرينة على أن الأمر ليس للوجوب.
ومثال الإباحة: قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة/2] وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة/10] لأن هذا أمر وقع بعد حظر، فإذا زال الحظر رجع إلى حالته قبله، وهو الإباحة.
الأصل الثاني: أن النواهي تقتضي تحريم المنهي عنه إلا إذا دل الدليل على أنها مصروفة إلى غيره كالكراهة.
ومن أدلة ذلك: قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7] فأمر الله تعالى بالانتهاء عن المنهي عنه، فيكون الانتهاء واجبًا، لأن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، كما تقدم، يقول الإمام الشافعي - رحمه الله: (أصل النهي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم) « (2) » .
ومثال ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) « (3) » ، فهذا نهي يقتضي تحريم الصلاة إلى القبور أو الجلوس عليها، إذ لا صارف له عن ذلك.
(1) أخرجه البخاري (1182) .
(2) الأم للشافعي (7/ 305) .
(3) أخرجه مسلم (972) من حديث أبي مرثد الغنوي - رضي الله عنه -.