والأدلة على ذلك كثيرة جدًا، ومنها: قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور/63] ووجه الدلالة: أن الله تعالى توعد المخالفين لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالفتنة: وهي الزيغ، أو بالعذاب الأليم، ولا يتوعد بذلك إلا على ترك واجب، فدل على أن أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المطلق يقتضي الوجوب، قال القرطبي - رحمه الله: (بهذا الآية استدل الفقهاء على أن الأمر للوجوب) « (1) » .
ومنها قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب/36] قال القرطبي: (هذا أدلُّ دليل على ما ذهب إليه الجمهور … من أن صيغة(افعل) للوجوب في أصل وضعها، لأن الله تبارك وتعالى نفى خِيَرةَ المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علق على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر على الوجوب) « (2) » .
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف/204] فهذا أمر مطلق، يفيد وجوب الاستماع و الإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا في الصلاة وغيرها، فيكون دليلًا على سقوط الفاتحة عن المأموم في الصلاة الجهرية إذا سمع قراءة الإمام، ويرى بعض العلماء استثناء الفاتحة على القول بوجوبها، من باب التخصيص، والمسألة خلافية، والمقصود الاستدلال بالآية على أن الأمر فيها للوجوب، سواء دخلها التخصيص أم لا.
(1) تفسير القرطبي (12/ 322) .
(2) تفسير القرطبي (14/ 188) .