والحق أن حديث الترخيص لترك الجمعة مطلقا لا تقوى على مقاومة أحاديث وجوب الجمعة، فإذا رجعت إلى حديث زيد بن أرقم وحديث أبي هريرة، وجدته صلى الله عليه وسلم اختار لنفسه أن يصلي الجمعة، حيث قال:"فمن شاء أجزأه من الجمعة وإن مجمعون"والحديث شاهد حديث زيد وبه يتقوى إذا سلم من الإرسال وهو فعل أمير المؤمنين رضي الله عنه فاختار لنفسه وأصحابه أن يصلوا الجمعة وأذن لغيرهم.
وأما قول ابن عباس"أصاب السنة"و رواية ابن الزبير لهذا الفعل عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، و المراد به ترك الجمعة مطلقا لنفسه و للناس كغير المسلم، إذ هو يقدم الخطبة على الصلاة بخلاف فعل النبي صلى الله عليه و سلم، و يؤذن للعيدين و يقيم بخلاف فعله صلى الله عليه و سلم، فيكون فعل ابن الزبير في تركه الجمعة مطلقا، سائر مع اجتهاده، ف فهم رخصة رسول الله صلى الله عليه و سلم و يكون قول ابن عباس إنها السنة، أي في الترخيص في الترك لا مطلق الترك، فهما منه صلى الله عليه و سلم لرخصته صلى الله عليه و سلم كما فهم قوله صلى الله عليه و سلم"صوموا لرؤيته"على أنه لكل بلد رؤية، كما روى ذلك مسلم عنه حيث قال:"هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم"بل الذي عليها الجماهير أن الرؤية واحد للعامة.
قول عطاء لم يزد عليهما حتى صلى العصر ظاهره أنه لم يصلي الظهر.
قال الشيخ الشوكاني و فيه أن الجمعة إذا سقطت سقطت بوجه من الوجوه المسوغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظهر و إليه ذهب عطاء، حكى ذلك عنه في البحر و الظاهر أنه يقول بذلك القائلون بأن الجمعة الأصل، و أنت خبير بأن الذي افترضه الله تعالى على عباده في يوم الجمعة هو صلاة الجمعة فإيجاب صلاة الظهر على من تركها أي الجمعة لعذر أو لغير عذر محتاج إلى دليل، و لا دليل يصلح للتمسك على ذلك فيما اعلم. اهـ
إذن ظاهر حديث ابن الزبير على أنه رخص لهم في الجمعة و لم يأمرهم بصلاة الظهر، لأن الجمعة أصل و الظهر بدل، فإذا سقط وجوب الأصل مع إمكان أدائه سقط البدل.
قال الشيخ الصنعاني في سبل السلام [2/ 113] : قلت: لا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة، و ليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله، فالجزم غير صحيح لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله، بل في قول عطاء أنهم"صلوا وحدانا"أي الظهر ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه [إذ لا حاجة أن يذكر عطاء أنهم صلوا النافلة وحدانا فلا يبقى إلا أنهم صلوا الظهر وحدانا]
و لا يقال أن مراده صلوا الجمعة وحدانا فإنها لا تصح إلا في جماعة إجماعا.
ثم القول بأن الأصل في يوم الجمعة صلاة الجمعة و الظهر بدل، قول مرجوح، بل الظهر هو الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء، و الجمعة متأخر فرضها، ثم إذا فاتت وجب الظهر إجماعا، فهي البدل عنه.