سورة الإخلاص: 4 - ، و (( فَلاَ تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) )- سورة النحل: 74 - . فهي صفة يجب إثباتها كباقي الصفات الإلهية الأخرى، بلا تشبيه و لا تجسيم، و لا تأويل و لا تعطيل، و إنما هو إثبات وجود و تنزيه، لا إثبات كيفية و تشبيه.
و ثانيا إنه-أي ابن رشد- أخطأ خطأ فاحشا عندما زعم أن الله تعالى -في ذكره للصفات- أُضطر إلى تفهيم الجمهور (( معاني في البارئ بتمثيلها بالجوارح الإنسانية ) ). و قوله هذا غلط فاحش لا يصح وصف الله تعالى به، لأنه سبحانه هو الخالق العظيم الفعال لما يريد القادر على كل شيء، لا يضطره شيء أبدا. و لو كان الله تعالى يريد من ذكره للصفات ما زعمه ابن رشد، لأخبرنا بما يقصده من تلك الصفات، و أنه لم يجد طريقا لتفهيمنا إلا التمثيل. و بما انه لم يُخبرنا بذلك و نص صراحة انه مُتصف بتلك الصفات حقيقة و تأكيدا في نصوص كثيرة جدا، فهذا دليل دامغ على بطلان زعم ابن رشد الذي اعتدى على الشرع و افترى عليه.
و ثالثا إن ذكر ابن رشد لقوله تعالى (( َأوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) )- سورة يس: 71 - ،و (( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) )- سورة صـ: 75 - ، هو أمر لا إشكال فيه، على ما أراد أن يُوهمنا به ابن رشد، فلا تعارض بين الآيتين، فمعناهما بيّنه علماء الشريعة بطريقة التأويل الشرعي القائم على النصوص الشرعية و اللغة العربية، و الفهم الصحيح لهما، فهم الذين بينوا معنى الآيتين و ليس الفلاسفة المشائين بطرريقتهم التأويلية التحريفية. فبين علماء الشريعة أن الآية الثانية نصت صراحة على أن لله يدين، و لا تقبل التأويل التحريفي بأن يُقال: لما خلقتُ بنعمتي، أو لما خلقتُ بقدرتي. و أما الآية الأولى فعبّرت عن أمر آخر لا يتعلق بصفة اليد التي أثبتتها الآية الثانية، و إنما عبّرت عن أمر آخر باستخدام عبارة اليد. و هذا أسلوب من أساليب التعبير في اللغة العربية التي يُضاف فيه العمل إلى اليد، و يُراد به صاحبها؛ فإضافة هذا العمل إلى اليد كإضافته إلى الإنسان الذي قام بهذا العمل. فالله تعالى أضاف ذلك العمل بقوله: (( مما عملته أيدينا ) )،و أراد به نفسه، كأنه يقول: مما عملناه، أو مما عملناه نحن، أو مما عملناه بنفسنا. و هذه الطريقة التعبيرية هي طريقة صحيحة شرعا و لغة، موجودة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) )- سورة الشورى: 30 - ، و (( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) )- سورة الروم: 41 - ، و (( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) )-سورة آل عمران: 182 - ، فالمراد من هذه الآيات ما كسبه الإنسان نفسه و ما قدمه