من أعمال، و إن كان عملها بغير يده [1] ، كأن يعملها برجله، أو أذنه، أو سمعه، أو بقلبه، أو بكل ذلك، فهي كلها أعماله عُبّر عنها بكسب اليد.
و أما موقفه الثامن من الصفات، فيتعلق بصفتي الإرادة و الاختيار، و قد اتخذ منهما موقفا مُضطربا بين النفي و الإثبات، فمن ذلك أنه قال: إن الشرع لم يُصرّح باتصاف الله تعالى بإرادة قديمة و لا حادثة، بل (( صرّح بما الأظهر منه أن الإرادة الموجدة للموجودات حادثة، و ذلك في قوله تعالى: (( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) )-سورة النحل: 40 - .و إنما كان ذلك لأن الجمهور لا يفهمون موجودات حادثة عن إرادة قديمة، بل الحق أن الشرع لم يُصرّح في الإرادة لا بحدوث و لا بقدم )) [2] .
و قوله هذا مخالف للشرع، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن الله تعالى بما أنه أزلي لم يلد و لم يُولد، و هو الأول الذي ليس قبله شيء، و الآخر الذي ليس بعده شيء، و الحي الذي لا يموت، و الفعال لما يريد، فإن صفاته أزلية كلها بالضرورة، بما فيها صفة الإرادة، لأن الصفات تابعة للذات الإلهية لا تنفك عنها. و قد وصف الله تعالى نفسه بالإرادة و المشيئة و الاختيار في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) )-سورة هود: 107 - ، و (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) )-سورة يس: 82 - ،و (( وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) )-سورة القصص: 68 - ، فهذه الآيات شاهدة على أن الله تعالى مُتصف بصفة الإرادة مُطلقا، فهي أزلية بأزلية الله تعالى، لذا وجدنا الله تعالى كثيرا ما وصف نفسه بصفات بصيغة الماضي، مما يعني أنه مُتصف بها منذ الأزل، كقوله سبحانه: (( إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ) )-سورة فاطر: 44 - ، و (( بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) )-سورة الفتح: 11 - ، و (( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ) )-سورة الأحزاب: 38 - ، (( إنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) )-سورة النساء: 58 - .
و أخطأ أيضا عندما لم يُفرّق بين صفة الإرادة الأزلية و تعلقها بفعل الله تعالى عند الخلق، فهو سبحانه فعال لما يريد، و يعلم ما كان و ما سيكون منذ الأزل، لكن إرادته في الخلق و الإيجاد تتعلق بمشيئته تعالى، هو الذي يختار نوع الفعل و زمانه و مكانه متى شاء، و كيفما يشاء، بدليل قوله تعالى: (( (( وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ) )، و (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) )، و هذا التعلق لا يصح وصفه بأنه حادث، بمعنى أنه مخلوق، لأن الله تعالى هو الخالق، و أفعاله ليست مخلوقة، و هو ليس محلا للمخلوقات، فإرادته سبحانه و تعالى مُطلقة غير مُقيدة، و لا توصف بأنها حادثة بمعنى أنها مخلوقة.
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 3 ص: 45. و محمد صالح العثيمين: القواعد المثلى في أسماء الله الحسنى، الجزائر، الدار السلفية، ص: 72، 73.
(2) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 116.