-،و (( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَاخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ) )-سورة الفتح: 15 - ، و (( أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) )-سورة البقرة: 75 - . و الشاهد الثاني هو بما أن القرآن من كلام الله تعالى، و الكلام صفة أزلية له سبحانه و تعالى، فهذا يعني أن القرآن من كلامه و ليس من مخلوقاته. و عليه فإن أية محولة للتفريق بين معاني القرآن و حروفه و ألفاظه، هي تحريف مُتعمد له و تلاعب به، و افتراء عليه. و لو كان الأمر كما زعم ابن رشد لبينه الله تعالى في كتابه المُحكم المُبيّن الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.
و لا يصح أيضا أن يُقال: إن ألفاظ القرآن مخلوقة. لأن ذات الله تعالى ليست محلا لخلق المخلوقات، و لأن القرآن الكريم من أمره تعالى و كلامه، و ليس من خلقه. و عليه فإن كلامه تعالى ليس ملتبسا بمخلوقاته. و أما قوله-أي ابن رشد- بأن حروف القرآن مخلوقة، و هي من أفعالنا، فهو زعم لا دليل صحيح عليه، لأن القرآن كلام الله، و هو سبحانه فعال لما يُريد يتكلم متى شاء، و بما شاء، و كيفما يشاء، و هو على كل شيء قدير. و عليه فهو سبحانه تكلم بالقرآن العربي لفظا و معنى و حرفا. و الحروف بالنسبة إليه ليست مخلوقة، لأنه تعالى هو الخالق، و ليست ذاته محلا لخلق المخلوقات، و كلامه تعالى صفة أزلية له، و القرآن من كلامه، فكلامه تعالى ليس مخلوقا و لا يصح وصفه بذلك. و هذا خلاف الإنسان، الذي هو بما أنه مخلوق فكل ما يصدر منه من أفعال فهي مخلوقة، فاللغة التي يتكلم بها-مثلا- هي مخلوقة لفظا و معنى و حرفا، لكنه إذا قرأ القرآن، فإن صوته الذي قرأ به القرآن مخلوق، لكن القرآن الذي تلاه بألفاظه و معانيه و حروفه ليس مخلوقا، لأنه ليس كلامه و لا كلام غيره من البشر، و إنما هو كلام الله تعالى.
و مثال ذلك صفة العلم، فالعلم الذي يعلمه الله تعالى ليس مخلوقا، لكن العلم الذي يتعلق بالإنسان فهو مخلوق، مع أنه عِلم يعلمه الله أيضا. لأن الإنسان بما أنه مخلوق فكل ما يحدث فيه هو مخلوق. كالحروف التي يستعملها الإنسان في اللغة التي يتكلم بها، فهي مخلوقة لأنه هو مخلوق، لكنها ليست مخلوقة بالنسبة لله تعالى،-عندما تكلم بها في كتبه المنزلة-، لأنه هو الخالق، و كلامه يليق به، و هو ليس محلا لخلق المخلوقات، مع أنه فعال لما يريد له الخلق و الأمر، و الله تعالى أعلم بالصواب.
و إضافة إلى ما ذكرناه، فإنه مما يدل على بطلان ما زعمه ابن رشد في صفة الكلام، أن زعمه هذا مُخالف لمذهب السلف و أهل الحديث، فإنهم قالوا: إن القرآن كلام الله، لفظا و معنى و حرفا، و هو غير مخلوق، و ذموا من قال القرآن مخلوق، و اشتدوا في الرد عليه [1] . و موقفهم هذا هو موقف صحيح موافق للشرع و العقل، و هم أكثر الناس صوابا و استقامة، أخذوا علمهم عن التابعين الذين أخذوا هم أيضا عن الصحابة-رضي الله عنهم-، الذين رباهم رسول الله-عليه الصلاة و السلام-، و الذين زكاهم القرآن الكريم، و شهد لهم بالإيمان و العمل الصالح. فكان على ابن رشد أن يرجع إلى مذهب السلف الصالح في مسألة كلام الله لينتفع به و يتبناه.
و ختاما لصفة الكلام أُشير هنا إلى أن ابن رشد -في إثباته لصفة الكلام- استخدم استدلالا صحيحا لتأييد ما ذهب إليه، و هو الاستدلال بطريق الأولى. فهذا استدلال صحيح، موافق للشرع و العقل معا، يندرج ضمن القاعدة الذهبية المتعلقة بالصفات الإلهية، و التي تقول: كل صفة كمال في الإنسان، الله أولى بها، و كل صفة نقص في الإنسان، الله مُنزه عنها. لكن ابن رشد طبق ذلك في إثباته لصفة الكلام، و خالفه في موقفه من الصفات الأخرى التي نفاها و أوّلها.
و أما موقفه السابع، فيتعلق بصفة اليد، فزعم أن هذه الصفة هي من بين الصفات الإلهية التي لم (( يقتصر الشرع الذي قصده الأول تعليم الجمهور، في تفهيم هذه الأشياء في البارئ سبحانه، بوجودها في الإنسان، كما قال سبحانه: (( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ) )-سورة مريم: 42 - ، بل و اضطر إلى تفهيم معاني في البارئ بتمثيلها بالجوارح الإنسانية، مثل قوله سبحانه: (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) )- سورة يس: 71 - ،و (( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) )- سورة صـ: 75 - . فهذه المسألة خاصة بالعلماء الراسخين الذين أطلعهم الله على الحقائق )) [2] . و معنى ذلك أن صفة اليد عند ابن رشد ليست صفة حقيقية لله تعالى تليق به بناء عل أنه ليس كمثله شيء، و إنما هي تمثيل مُلت بالجوارح الإنسانية لتفهيم الجمهور، و لا يعرف تأويلها الحقيقي إلا الراسخون في العلم، و هم الفلاسفة أهل البرهان على حد زعمه.
و ردا عليه أقول: أولا إن صفة اليد قد نص الشرع على إثباتها لله تعالى صراحة، فمن القرآن الكريم قوله تعالى: (( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) )- سورة المائدة: 64 - ، و (( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) )- سورة صـ: 75 - . و من السنة النبوية قوله -عليه الصلاة و السلام-. (( وكلتا يديه يمين ) ) [3] . و عليه فلا يصح نفي صفة اليد عن الله تعالى و تأويلها، لأمرين أساسيين، أولهما إن الشرع نص صراحة على إثباتها. و ثانيهما إنه لا يُوجد مبرر عقلي صحيح علي نفيها أو تأويلها، لأن هذا الصفة ليست جارحة كما هي عند المخلوقات، و إنما هي صفة يجب النظر إليها انطلاقا من قاعدة التنزيه الذهبية التي نصّ عليها الشرع في قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة النحل:74 - )) ،و (( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) )-
(1) أنظر مثلا: ابن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية، ط 9، بيروت، 1988، ص: 170 و ما بعدها.
(2) ابن رشد، تهافت التهافت، ص: 237 - 238.
(3) المؤلف: مسلم بن الحجاج: تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج 3 ص: 1458.