، لأنه يجب النظر إليها من المنطلق الثاني الذي يقوم على أن الله تعالى بصفاته و ذاته (( ليس كمثله شيء هو السميع البصير ) )، و (( لم يكن له كفوا أحد ) ).
و أما موقفه السادس فيتعلق بصفة الكلام، فقد أثبتها لله تعالى ضمن إثباته للصفات السبع التي سبق ذكرها. و استدل على إثباتها بطريق الأولى، فقال عنها: (( و إذا كان المخلوق الذي ليس بفاعل حقيقي، أعني الإنسان يقدر على هذا الفعل -أي صفة الكلام- من جهة ما هو عالم قادر، فكم بالحري أن يكون ذلك واجبا في الفاعل الحقيقي ) ) [1] .
و ذهب إلى القول بأن القرآن الكريم- بما أنه كلام الله- معناه قديم غير مخلوق، و ألفاظه مخلوقة لله تعالى. و حروفه التي في المصحف مخلوقة، و هي من صنعنا بإذن الله، و هي مُعظمة لأنها دالة على اللفظ المخلوق لله. و الصواب عنه هو أن نجمع بين الخلق و عدمه، بمعنى أنه مخلوق اللفظ، و غير مخلوق المعنى [2] .
و أقول: أولا إن صفة الكلام لا يصح الخوض فيها بمجرد الظن و الفكر المجرد عن الشرع، لأنه خوض في موضوع غيبي لا يُدركه عقل الإنسان. لذا يجب التكلم فيه انطلاقا من الشرع أولا، ثم من العقل المعتمد على النص و النظر الصحيح ثانيا، و لا يصح إصدار أحكام عن صفة الكلام بمجرد الظن و العصبية المذهبية. لذا فنحن سنرد على ابن رشد انطلاقا من هذا المنهج، الذي يجب الالتزام به في كل الصفات الإلهية، و ليس في صفة الكلام فقط.
و ثانيا إنه في نظرته إلى صفة الكلام لم يُفرق بين أمر الله و خلقه، مع أن الشرع قد فرّق بينهما صراحة في عدة آيات، كقوله تعالى: (( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) )-سورة الأعراف: 54 - ، و (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) )-سورة يس: 82 - . فأمره تعالى من كلامه، و قرآنه من كلامه و أمره أيضا. و أما خلقه فهو مخلوقاته التي خلقها بأمره، و الذي عبّر عنه بقوله: كن، الذي أوجد به مخلوقاته. و هذا أمر بَيّنٌ ذكرته الآيتين السابقتين بصراحة و وضوح، و لا يصح إغفاله. و هو الأمر الذي أغفله ابن رشد، و هو انحراف منهجي خطير يُحرف الشرع و يُفسد الفهم.
و ثالثا إنه ليس لابن رشد دليل صحيح من الشرع عندما جعل معنى القرآن غير مخلوق، و ألفاظه و حروفه مخلوقة. و رأيه هذا غير صحيح بدليل الشاهدين الآتيين: أولهما إن الله تعالى وصف القرآن بأنه كلامه، و لم يُفرّق بين معناه و ألفاظه و حروفه، في قوله: (( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ) )-سورة التوبة: 6
(1) ابن رشد: الكشف، ص: 129، 131.
(2) نفس المصدر، ص: 132.