و لو كانت صفة العلم تغني عن صفتي السمع و البصر، ما وصف الله بهما نفسه، و لا أخبرنا بذلك، و هذا أمر لا يمكن معرفته على اليقين إلا بالوحي، فكيف سمح ابن رشد لنفسه أن يخوض في أمر غيبي بلا دليل صحيح من الشرع و لا مع العقل؟!.
و زعمه يجعلنا نقول: إن الله لا يسمع و لا يبصر. و بما أنه زعم أن صفة العلم تنوب عن هذين الصفتين، فإننا نقول: إن الله يسمع و يبصر بصفة العلم، فنكون قد أثبتنا له صفتي السمع و البصر من حيث أردنا نفيهما عنه. الأمر الذي يعني أنه لا يصح شرعا و لا عقلا نفي صفتي السمع و البصر عن الله تعالى، و محاولة ابن و أصحابه هي عبث و تلاعب بالألفاظ، و تحريف للنصوص الشرعية، و تلبيس على القراء.
و أما زعمه بأن صفة العلم أشرف من صفتي السمع و البصر، فهو زعم غير صحيح، لأن كل صفة لها وظيفتها، و لا تنوب عن الأخرى إنابة حقيقة كاملة، و هذه الصفات في الإنسان كلها مرتبطة بالمخ، و الحواس، و لا علم دون مخ و حواس، و العلم بالشيء بواسطة اللمس مثلا ناقص جدا، فإذا سمعنا صوته و أخباره، و رأيناه أزداد علمنا به زيادة كبيرة. و من ثم لا يصح القول بأن صفة العلم أشرف من صفتي السمع و البصر. و أما بالنسبة لله تعالى، فإن صفاته تعالى كلها كمال لا نقص فيها أبدا، و من ثم لا يصح طرح ذلك الزعم الباطل في جنب الله تعالى.
و رابعا إنه حرّف الشرع عندما زعم أن الله وصف نفسه بالسمع و البصر تنبيها على أنه سبحانه لا يفوته نوع من أنواع العلوم. و هذا قول على الله بلا علم، وطعن في الشرع ورد له، لأن الله تعالى فرّق بين هذه الصفات تفريقا واضحا، عندما وصف نفسه بأنه (( يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) )- سورة التوبة / 78 - ، و قوله: (( إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) )- سورة طه /46 - . فالله حكيم و لا يعبث، و بما أنه وصف نفسه بتلك الصفات فيهي صفات أساسية و حقيقية، و ليست مجازية و لا تنوب عن بعضها، فلو كان معناها كما زعم ابن رشد، لأخبرنا الله تعالى بذلك، و لاكتفى بصفة العلم وحدها. و عليه فإن زعم ابن رشد ما هو إلا تحريف للنص، و رد له بطريقة ملتوية ظاهرها التوفيق بين النصوص، و خلفياتها تحريف الشرع ليتوافق مع الفلسفة الأرسطية المشائية.
و خامسا إنه- أي ابن رشد- في نظرته إلى صفة العلم، و صفتي السمع و البصر، كان مُخطئا و مُغالطا، لأنه نظر إلى تلك الصفات من منطلقين مختلفين، مع أنها -أي الصفات- كلها تتعلق بالله تعالى. و ذلك أنه عندما تكلم عن صفتي السمع و البصر، نظر إليهما من منطلق تشبيهي تجسيمي خاص بالمخلوقات، فنفاهما عن الله تعالى. و عندما تكلم عن صفة العلم نظر إليها من منطلق تنزيهي متعلق بالخالق مُغاير للمنطلق الأول. و هذه الإزدواحية في النظر إلى صفات الله تعالى غير صحيحة