فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 232

لمذهبيته الأرسطية المتعصبة التي ملكت عليه قلبه و عقله. فهو يُقرر ما يقوله الشرع في موضع، ثم يهجم عليه في موضع آخر بتأويله التحريفي ليُقرر ما يُخالفه انتصارا لأرسطيته المشائية، و لا يهمه بعد ذلك تناقضه و تحريفه للشرع!!.

و ثانيا إنه-أي ابن رشد- كان مُغالطا في دفاعه عن الفلاسفة في موقفهم من صفتي السمع و البصر، عندما قال: (( يلزم عن وصفه بهما أن يكون له نفس ) )،و هذا تغليط و تحريف و تلبيس على القراء، من ثلاثة أوجه، أولها إن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته، و من ثم فلا مجال أبدا للمقارنة بينه و بين مخلوقاته، فسمعه و بصره لا علاقة لهما بالنفس عند الإنسان، لأن إثباتنا لهما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية و تشبيه، و من ثم تسقط مُغالطته و تحريفه و تلبيسه.

و الوجه الثاني مفاده أن الله تعالى قد ذكر أن له نفسا في قوله سبحانه- على لسان عيسى عليه السلام-: (( ِ إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) )- سورة المائدة / 116 - . فلماذا تجاهل ابن رشد هذه الآية و قرر خلافها؟؟!!. علما بأن نفسه سبحانه و تعالى تُخالف نفوس مخلوقاته مخالفة تامة، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء.

و الوجه الثالث إنه لا فرق بين إثبات صفة العلم و صفتي السمع و البصر، فبما أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا فرق أبدا بين إثباتنا له صفة العلم، و بين إثباتنا له صفتي السمع و البصر، انطلاقا من قاعدة التنزيه التي قررها الشرع الحكيم. و عليه فإن منطلق ابن رشد غير صحيح في نظرته إلى صفة العلم، و صفتي السمع و البصر، و يمكننا أن نرد عليه بمنطقه الذي استعمله في موقفه من هذه الصفات، فنقول: لا يصح وصف الله تعالى بصفة العلم، لأن وصفه بها يلزم أن يكون ذا نفس، لأننا لا نعلم و لا نرى في الواقع عالما إلا و له نفس، و عليه فلا يصح وصف الله بصفة العلم، لأن إثباتها يُؤدي إلى التشبيه، فيلزم تأويلها. فهذا هو منطقه الأعوج الذي لا يصلح أبدا للنظر به في صفات الله تعالى. لأنه بناه على أساس التشبيه بين الخالق و المخلوق، و ليس على أساس التنزيه و عدم المماثلة، فلو استخدم منهجا صحيحا ما فرّق بين صفة العلم و صفتي السمع و البصر.

و ثالثا إنه جعل صفة العلم، صفة شاملة لمعنى صفتي السمع والبصر و تنوب عنهما، و هذا غير صحيح و تغليط و تلبيس على القراء، لأن الثابت و المعروف أن هناك فرقا واضحا و أساسيا بين معنى صفة العلم و صفتي السمع و البصر، و عند الخالق و المخلوق. فالإنسان مثلا لا يُغني علمه عن سمعه و بصره، و العلم نفسه ثمرة لحواسه، لهذا قال الله تعالى: (( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) )-سورة النحل / 78 )) . و أما بالنسبة لله تعالى، فهو سبحانه أعلم بصفاته و نفسه، و بما أن وصف نفسه بصفة العلم، و السمع، و البصر، فهي إذًا صفات حقيقة يجب إثباتها لله تعالى، و هي صفات كمال لا نقص فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت