تناقض واضح يندرج ضمن طريقته المزدوجة الخطاب القائمة على التأويل الباطني التحريفي للنصوص الشرعية.
و ليس صحيحا ما زعمه بأن آية الاستواء من الآيات المتشابهات التي يجب تأويلها لأن ظاهرها متعارض. فهذا زعم باطل سبق أن ناقشناه في الفصل الأول، و بينا أنه لا تعارض أبدا بين نصوص الشرع، و لا مبرر أصلا للتأويل الرشدي. و أما آيات الآستواء على العرش فهي أيضا آيات مُحكمات من حيث إثبات حقائقها و معانيها لله تعالى، بلا تشبيه و لا تجسيم، و بلا تأويل و لا تعطيل، و إنما هو إثبات و تنزيه مع عدم إدراكها و الجهل التام بكنهها، فهو سبحانه (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة النحل:74 - .
و أما موقفه الخامس فيتعلق بصفتي السمع و البصر، فذكر موقف الفلاسفة منهما، و دافع عنهم و انتصر لههم، و لم ينتقدهم في موقفهم هذا الذي خالفوا فيه الشرع. فذكر أنهم-أي الفلاسفة- لم يصفوا الله تعالى بالسمع و البصر، لأنه (( يلزم عن وصفه بهما أن يكون ذا نفس. و إنما وصف نفسه في الشرع بالسمع و البصر تنبيها على أنه سبحانه لا يفوته نوع من أنواع العلوم و المعرفة. و لم يمكن تعريف هذا المعنى للجمهور إلا بالسمع و البصر، و لذلك كان هذا التأويل خاصا بالعلماء، و لا يجوز أن يُجعل من عقائد الشرع المشتركة للجميع ) ).و قد صار عن هؤلاء الفلاسفة ما ليس (( له سمع و لا بصر أشرف مما ليس له سمع و بصر، لا بإطلاق بل من جهة ما له إدراك أشرف من البصر و السمع و هو العلم ) ) [1] .
و ردا عليه أقول: أولا إنه بموقفه هذا من صفتي السمع و البصر، يكون قد خالف الشرع صراحة، و أوّله تأويلا تحريفيا على طريقته العوجاء. لأن الله تعالى قد نص صراحة بأنه سميع و بصير في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة النحل:74 - )) ، و (( قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) )-سورة طه / 46 - ، فالله تعالى يسمع و يرى بطريقة مخالفة تماما لما هو عند مخلوقاته، لأنه سبحانه (( ليس كمثله شيء ) )، و (( لم يكن له كفوا أحد ) ). و عليه فلا معنى أبدا لتأويل صفتي السمع و البصر، لأن تأويلهما هو تحريف صارخ للشرع و اعتداء سافر عليه.
و هو -أي ابن رشد- بدفاعه عن موقف الفلاسفة و انتصاره لهم، يكون قد وافقهم ضمنيا على موقفه هذا، لأنه فيلسوف مثلهم و انتصر لهم. و هذا مُخالف لما كان قد أظهره من إثباته للصفات الإلهية عندما أثبت منها سبعا في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة، من بينها صفة السمع و البصر، فمرة أثبتهما باسم الشرع، و مرة أخرى نفاهما باسم الفلسفة و التأويل. و موقفه هذا ليس غريبا عن ابن رشد، فهو مزدوج الخطاب، عودنا على مثل هذه المتناقضات التي يتعمد إظهاره خدمة
(1) تهافت التهافت، ص: 292.