فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 232

الطرابيشي أن ابن رشد انتصر لرأي الأسكندر الأفروديسي القائل بأن الله ليس مفارقا للعالم، و إنما هو سار فيه كالروح في جميع أجزاء العالم [1] .

و أما الإجماع الذي حكاه ابن رشد عن كل الفلاسفة، بأنهم قالوا بأن الله في السماء، مؤيدا به ما ذكره من الآيات عن علو الله و استوائه على عرشه، فهو إجماع غير ثابت، ترده الشواهد الآتية: أولها إن ابن رشد نفسه حكى رأي الأسكندر الأفروديسي و وافقه عليه، بأن الله ليس مفارقا للعالم، و إنما هو قوة روحية سارية في جميع أجزائه.

و الشاهد الثاني هو ما ذكره الشيخ ابن تيمية من أن طائفة من الفلاسفة نُفاة الصفات كابن سينا، قالوا: إن الله لا داخل العالم و لا خارجه، و لا مباينًا له و لا حالا فيه [2] .و الشاهد الأخير-أي الثالث- ما حكاه الباحث محمد عابد الجابري عن أرسطو، بأنه كان يقول: إن المحرك الأول -أي الله- لا هو داخل العالم، و لا هو خارجه [3] .

و ثانيا إنه -أي ابن رشد- حكى عن الأشاعرة بأنهم يقولون: إن الله الحي العالم المريد موجود (( مع كل شيء و في كل شيء. أعني متصل به اتصال وجود ) ) [4] . و قوله هذا غير ثابت عن الأشاعرة، لأن المعروف عنهم أنه يقولون: إن الله لا داخل العالم و لا خارجه، و لا فوقه و لا تحته، و لا يُوصف بأن له مكانا، فضلا عن أنه في كل مكان )) [5] .

و أما موقفه الرابع من الصفات، فيتعلق بصفة الاستواء على العرش، فقد جعلها ابن رشد من ظواهر النص المتعارضة التي ظاهرها كفر، و على أهل البرهان تأويلها، و هي من المتشابهات في حق الجمهور [6] .

و أقول: إنه هنا نفى صفة الاستواء على العرش، لأنه دعا إلى تأويلها بدعوى أنها من ظواهر النص المتعارضة. و هذا الموضوع سبق أن ناقشناه في المبحث الثالث من الفصل الأول، لكننا نُشير هنا إلى أن ابن رشد متناقض مع نفسه، فهو هنا قد نفى صفة الاستواء على العرش، و دعا إلى تأويلها، لكنه في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة، أثبتها و أورد آيات تتضمن العلو و الاستواء [7] . فهذا

(1) جورج طرابيشي: وحدة العقل العربي، دار الساقي، بيروت، ص: 261.

(2) ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 331، ج 3 ص: 160.

(3) ابن رشد: الكشف، تعليق المحقق، هامش ص: 146.

(4) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 163.

(5) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 310 , و الفتاوى الكبرى، ج 6 ص: 617. و أحمد بن إبراهيم بن عيسى: شرح قصيدة ابن القيم، بيروت، المكتب الإسلامي - 1406 ه، ج 1 ص: 193.

(6) ابن رشد: فصل المقال، ص: 111.

(7) الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت