فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 232

هو جناية على الشرع يدل على أنه كان ضعيف الإيمان به، مهزوزا داخليا، و مريضا نفسيا من جهة، و شديد الإيمان بالأرسطية الظلامية التي أمضى حياته في خدمتها من جهة أخرى.

و أما الخاصية السادسة- من خصائص فكر ابن رشد- فتتعلق بخطر فلسفته على العقل و العلم، فهل كانت خطرا عليهما؟. نعم إنها كانت خطرا عليهما معا، و ذلك بما أنها كانت خطرا على الشرع بموقفها منه و تحريفها له فإنها بالضرورة هي خطر على العقل و العلم بحرمانهما من حقائق الشرع و أنواره.

و بما أن ابن رشد بالغ في تعظيم تلك الفلسفة و التعصب لصاحبها و الغلو فيه، حتى اعتقد فيه العصمة، و رفعه إلى درجة الملائكة، و جعل نظره فوق نظر جميع الناس، فإنه بهذه المزاعم الباطلة يكون قد شكّل خطرا داهما على العقل و العلم معا، و أسس بها -أي تلك المزاعم- للسلبية و التقليد، و الانهزامية و تقديس الشخصية و عبادتها. فكانت أفعاله هذه أغلالا و عوائق أمام حرية العقل و البحث العلمي المبدع النزيه.

و كان من آثار ذلك أنه ساهم بقوة في تخلف الفكر البشري و رزوخه تحت الأرسطية الظلامية العقيمة التي هيمنت على ذلك الفكر قرونا عديدة بعد ابن رشد. فلم تُكسر أغلالها، و لم تُزح حواجزها، و لم تُرفع ظلامياتها إلى في العصر الحديث عندما تجاوز الإنسان تلك الفلسفة العقيمة.

و أما قول الباحث محمد عابد الجابري بأن ابن رشد دافع عن العلم من داخل الدين و بواسطته، و لفائدة فهم مُتفتح للدين و ثوابته [1] . فهو قول غير صحيح في معظمه، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن ابن رشد -في حقيقته- لم يُدافع عن الدين و لا عن العلم و لا عن العقل، و إنما دافع عن الأرسطية الظلامية التي ملكت عليه قلبه و عقله. فكان يعتقد فيها العصمة، و أمضى حياته في الانتصار لها، و حرّف الشرع و أرسطه من أجلها، و ليس من أجل فهم مُتفتح صحيح للدين.

و أما قوله بأن عمل ابن رشد -في شرحه لكتب أرسطو و خدمتها- كان (( ثورة علمية ) ) [2] .فهو قول مُخالف للحقيقة و صوابه عكس ذلك، فأعماله الفكرية كانت ثورة أرسطية على الشرع و العقل و العلم، من أجل الأرسطية الظلامية السلبية المتعصبة العقيمة.

و أما الخاصية السابعة فتتعلق بخطر الفلسفة الرشدية على ابن رشد نفسه، فهل كانت خطرا عليه؟. نعم إنها كانت خطرا كبيرا عليه، و هو أول ضحية لها، و ذلك أنه بما أن فلسفته كانت خطرا على الشرع و العقل و العلم، فهي بالضرورة خطرا على ابن رشد قبل غيره من الناس. فأفسدت جانبا كبيرا من تفكيره الشرعي و العقلي و العلمي، و قد تجلى ذلك في كثرة انحرافاته و أخطائه، التي سبق أن ذكرنا قسما كبيرا منها.

(1) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، مدخل المحقق، ص: 84.

(2) الجابري: ابن رشد، ص: 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت