و الثاني إن ابن رشد لم يكن يحمل الإسلام مشروعا فكريا له، و إنما كان يحمل الفلسفة الأرسطية المشائية بديلا عنه، فكانت هي المعيار و الحَكَم عنده؛ فخالف بذلك الشرع في مسائل كثيرة، و أغفله في مواضع عديدة انتصارا لمذهبيته الفلسفية.
و الشاهد الثالث هو أن ابن رشد - بتقريره للعلاقة بين الشريعة و الفلسفة- أوجد الأرضية للعلمانية الفكرية التي اعتمد عليها الرشديون العلمانيون في الانفلات من الشرع و محاربته، و مقاومة أهله، فوجدوا في فكره ظالتهم باسم ابن رشد و الرشدية، و لو كان فكره يخدم الشريعة خدمة كاملة و صحيحة ما اهتموا به ذلك الاهتمام المبالغ فيه.
و آخرها -أي الشاهد الرابع- هو أن ابن رشد كان فقيها محسوبا على علماء الشريعة، و يتعيش بالقضاء في المجتمع الإسلامي، فكان ظاهره فقيها قاضيا، و باطنه فيلسوفا أرسطيا مُتعصبا مُغاليا، و مُحرفا للشرع من أجل أرسطيته. حتى أنه أوجب على الأمة المسلمة ما لم يُوجبه الله عليها، عندما أفتى بوجوب الإطلاع على كتب الفلسفة، و جعل معرفة البرهان الأرسطي شرطا لمعرفة الله تعالى [1] . و فعله هذا خطير جدا لا يصح أن يصدر عن عالم مسلم، لأن المسلم عزيز بعزة الإيمان، و دينه يُغنيه من أن يحتاج إلى مذاهب و عقائد و فلسفات البشر. لكن هذا الرجل ملكت عليه الأرسطية قلبه و عقله و حياته، و لم يُؤثر فيه الفقه إلا تأثيرا سطحيا، لذا لم يكن يحمل الإسلام مشروعا فكريا بديلا لكل الفلسفات.
و أما ما قاله الباحث محمد عابد الجابري من أن ابن رشد قام بإصلاح ديني [2] . فهو قولا غير صحيح في معظمه، لأن أعمال ابن رشد في الشريعة لم تكن إصلاحات، و إنما كانت -في معظمها- إسلاخات و تحريفات، و تلفيقات و تغليطات، خدمة للأرسطية و أرسطة للإسلام ليكون خادما لها. و هذا عمل خطير و دنيء، نصّب ابن رشد نفسه للقيام به.
و مما يزيد ما قلناه تأكيدا و توضيحا و إثراء أن أحد الرشديين المعاصرين [3] قال كلمة حق عندما قال: (( إن طرح مسألة صلة الحكمة بالشريعة من قِبل ابن رشد، هو اعتراف ضمني بأن الإسلام غير كاف بذاته كمنظومة معرفية و منطقية. و هذا اعتراف جوهري ) )يجعل كل انفتاح ممكن للإسلام يتم بالاعتماد على الغير [4] .
و قوله هذا كلمة حق فيها كشف لما قام به ابن رشد، و ما يترتب عنه في تقريره للعلاقة بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية. و نحن لا نجد لابن رشد عذرا فيما قام به إلا أن نقول: إن فعله هذا
(1) سبق توثيق ذلك.
(2) ابن رشد: فصل المقال، مدخل المحقق، ص: 70، 71.
(3) هو محمد المصباحي.
(4) محمد المصباحي: الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، ص: 29.