و ثالثا إن الرشديين المعاصرين [1] يعلمون جيدا أن فلسفة ابن رشد الإلهية و الطبيعية و المنطقية باطلة في معظمها، و مُخالفة للشرع و العقل و العلم، و قد تجاوزها الزمن، و ليس فيها من الحق و الصواب إلا القليل اليسير الذي لا يُغني و لا يُسمن من جوع؛ لكنهم -مع ذلك- مُصرون على وصفهم لابن رشد بأن زعيم الفكر التنويري و عميده، فلماذا هذا الإصرار؟،و ما هي خلفياته المذهبية؟. إن الجواب عن هذين السؤالين واضح نجده عند هؤلاء الرشديين، إنهم عقدوا مؤتمرا دوليا لهم في القاهرة سنة 1994 موضوعه: ابن رشد و التنوير، برعاية الجمعية الفلسفية الأفرو أسيوية كانت الغاية منه (( بث روح التنوير في العلم الغربي و الإسلامي استنادا إلى الفلسفة العقلية لابن رشد كمضاد حيوي ضد الأصولية الدينية ) ) [2] . و قال أحدهم [3] : إن ابن رشد جاء بصياغة جديدة لأرسطو (( فأنكر خلود النفس الفردية، و أثبته للعقل الفعال، و من ثم كان ابن رشد مع التنوير، و ضد أي تزمت غير مُبرر ) ). و قال أيضا: إن ابن رشد ذكر في كتابه تهافت التهافت أن الدين (( هو مجرد صُور رمزية للحقيقة الفلسفية، و هو ما عجز عن فهمه التيار المتزمت ) ) [4] .
فالتنوير عند هؤلاء ليس هو الحق و الحقيقة و العلم و الهداية الربانية، و إنما هو تحريف الشريعة و الاعتداء عليها و توظيفها لخدمة العلمانية و أهلها. فهم باركوا عمل ابن رشد -في تحريفه للشريعة- و سموه تنويرا، مع أنه عمل تحريفي تلفيقي إجرامي في حق الشرع و العقل و العلم و الإنسانية. فهم عندما لم يجدوا التنوير في إلهيات ابن رشد و لا في طبيعياته و لا في منطقه العقيم تمسكوا بتأويلاته الباطنية التحريفية للشرع و سموها تنويرا، و اتخذوها وسيلة للانفلات من الشرع و تحريفه و إفساده، و مقاومة أهله و الحد من انتشاره، من أجل مصالحهم المذهبية و المادية معا.
و بذلك يتبين أن فلسفة ابن رشد ليست فلسفة تنويرية، و ليس فيها من النور إلا القليل اليسير، الذي لا يُؤهلها لتكون فلسفة تنويرية؛ و إنما هي - في أساسها- فلسفة تحريفية ظلامية لا يصل الطالب للتنوير الحقيقي إلا بالتخلص منها كلية، و التمسك بالنقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح.
و أما الخاصية الخامسة - من خصائص فكر ابن رشد- فتتعلق بخطر فلسفة ابن رشد على الشرع، فهل هي خطر عليه، أم هي في خدمته؟، نعم إنها خطر عليه، و أضرته أكثر مما نفعته بفارق كبير جدا، بدليل الشواهد و المعطيات الآتية: أولها إن ابن رشد قدّم الأرسطية على الشرع و أرسطه من أجلها، و لم يُؤسلمها من أجله، و انتصر لها و حرّف الشرع بالتأويل الباطني خدمة لها. و عمله هذا جناية كبيرة على دين الإسلام.
(1) ذكرنا بعضهم في الفصل الرابع في موقفهم من طبيعيات أرسطو و ابن رشد، و منهم محمد عاطف العراقي.
(2) مراد وهبة و منى أبو ستة: أنباء فلسفية، مجلة ابن رشد اليوم، العدد 1، 1997، ص: 9.
(3) هو أوديرا أوروكا.
(4) أوديرا أوروكا: العقل و الفعل في إفريقيا، مجلة ابن رشد اليوم، ص: 16.