الإنارة و الإضاءة إلا القليل اليسير الذي لا يستحق به فكر ابن رشد وصفه بتلك الأوصاف. و الصحيح هو أن فلسفته ظلامية في معظمها، كثيرة الظنون و الشكوك، و الأهواء و الخرافات، و المخالفات الشرعية و الأخطاء العلمية، و ليس فيها من الشرع الحكيم، و العقل الصريح، و العلم الصحيح إلا القليل. الأمر الذي يعني أنه لا مجال للمقارنة بين صوابها القليل و أباطيلها و أخطائها الكثيرة جدا، و هذا أمر سبق أن بيناه و وثقناه، مما يجعل الحديث عن تنوير ابن رشد و جمعه بين العقل و العلم، هو حديث باطل مُثير للضحك و الدهشة و الاستغراب!!. فكيف سمح هؤلاء لأنفسهم بوصف ابن رشد بتلك الأوصاف الزائفة المُبالغ فيها جدا، التي حوّلت الحبة الصغيرة جدا إلى قبة كبيرة جدا؟؟!!.
و أما زعم عاطف العراقي بأن ابن رشد كان متمسكا بكل ما هو عقلاني تنويري بعيدا عن فكر الظلام و حياته ... إلخ، فهو زعم باطل في معظمه، و عكسه هو الصحيح الذي يصدق على ابن رشد نفسه، الذي رضي بالظلامية الأرسطية مذهبا له، و هي من أكثر الفلسفات المعروفة ظلامية و شركا. و قد كان ابن رشد في مقدمة المشائين الرجعيين المتعصبين لأرسطو و المغالين فيه و المقلدين له؟!. فمن هو الأكثر تعصبا و تقليدا و رجعية؟.
و ثانيا أين التنوير المزعوم في فلسفة ابن رشد الأرسطية؟، إنه لا وجود له في إلهياتها، و لا في طبيعياتها، و لا في منطقها، و الصحيح منها قليل و هو عادي للغاية بالمقارنة إلى كثرة أباطيلها و أخطائها. إنه-أي ابن رشد- ليس تنويريا و ما عنده من تنوير قليل لا يُؤهله ليكون تنويريا و لا رائدا و لا زعيما للتنوير، لأنه أولا لم يكن مجتهدا حرا مُطلقا، و إنما كان أرسطيا سلبيا متعصبا لأرسطو و فلسفته، و اجتهاداته التي اختارها هي اجتهادات مذهبية قليلة لا تُؤهله ليكون مجتهدا تنويريا.
و لأنه ثانيا كان كثير الانحراف عن الشرع الحكيم، و العقل الصحيح، و العلم الصحيح، انتصارا لمذهبيته الأرسطية، و رجل هذا حاله ليس تنويريا. و لأنه ثالثا قدّم أرسطيته الظلامية على دين الله تعالى و حرّفه من أجلها بتأويله الباطني، و لم يعمل على أسلمتها، و من هذا عمله ليس تنويريا.
و لأنه رابعا لا نجد في فلسفته الإسلام الصحيح الشامل الكامل البديل لكل المذاهب و العقائد و الفلسفات، و إنما نجد فيها الأرسطية الظلامية و جوانب من الإسلام المُحرّف الموجه لخدمتها. و رجل هذا عمله هو ظلامي و ليس تنويري، على خلاف قوله تعالى: (( الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) )-سورة إبراهيم: 1 - ، فهو-أي ابن رشد- خرج بفلسفته من نور الشريعة إلى ظلمات الفلسفة اليونانية عامة و الأرسطية خاصة.