يُسخر مقاصد الشريعة لأهوائه و مصالحه الخاصة، و يتلاعب بها، و يتحايل عليها، بدعوى أن ما يراه هو يتفق مع الأخلاق و الفضائل، حتى و إن خالفه معظم الناس. و في هذه الحالة تصبح الأخلاق نسبية تتغير بتغير أراء الناس و مذاهبهم، و مصالحهم و أهوائهم.
و أما قوله بأن ابن رشد- بسبب دعوته إلى الاجتهاد- كان أول ضحايا الفقهاء المقلدين، فهو قول مُخالف للحقيقة التاريخية، و ذلك أن طائفة من الفقهاء قد تعرضت قبله للمضايقات و المطاردات، و النفي و التهديد بالقتل، بسبب اجتهاداتهم و آرائهم الحرة، منهم: بقي بن مخلد، و ابن حزم، و أبو الوفاء بن عقيل، و ابن الجوزي الذي كان معاصرا لابن رشد [1] .
و بذلك يتبين أن النقد و الاجتهاد في فلسفة ابن رشد كانا ضعيفيّن محدوديّن جزئييّن، شملا مسائل مُتفرقة من الفلسفة اليونانية، و لم يكونا في مستوى عالٍ يسمح بنقد أصول الفلسفة الأرسطية و أساسياتها، لأنه كان يفتقد إلى الألية العلمية و النفسية التي تُمكنه من القيام بذلك العمل النقدي الكبير. و هذا العمل كان أكبر منه بكثير، لا يستطيع أن يقوم به رجل كابن رشد الذي جعل نفسه تلميذا لأرسطو متعصبا له، و مُغاليا فيه بالباطل. فرجل هذا حاله لا يُمكنه أبدا إحداث ثورة نقدية في الفكر الفلسفي.
و أما الخاصية الرابعة فتتعلق بالتنوير، فهل فلسفة ابن رشد فلسفة تنويرية أم ظلامية، أم جمعت بين التنوير و الظلامية؟. هي عند الباحث عمر فروخ نور من أنوار الفلسفة الإسلامية [2] . و عند الباحث محمود حمدي زقزوق هي فلسفة تنويرية، صاحبها زعيم الفكر التنويري، و من أعظم رواد التنوير في العالم. و قد تميّز تنويره بالتمسك بالعقل و العلم معا [3] .
و يرى الباحث عاطف العراقي أن ابن رشد هو عميد الفلسفة التنويرية، دعا إلى التنوير، و الذين يُهاجمونه يُريدون الظلام. و لا تنوير دون فلسفة ابن رشد الذي كان مُتمسكا بكل ما هو عقلاني تنويري بعيدا عن فكر الظلام و حياته، و كان ناقدا للمقلدين و الرجعيين و الصوفية و الأشاعرة [4] . و يرى جماعة من الرشديين المعاصرين أن فلسفة ابن رشد تمثل روح التنوير في العالميّن الغربي و الإسلامي [5] .
و ردا عليهم أقول: أولا إن الزعم بأن ابن رشد هو زعيم و عميد الفكر التنويري في العالم هو زعم باطل، و مُبالغ فيه جدا، و مجازفة لا مبرر صحيح لها. لأن فلسفته ليس فيها من التنوير و
(1) ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان، ج 1 ص: 485، ج 4 ص: 200. و ابن رجب الغدادي: الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 106، 173 و ما بعدها. و الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 2 ص: 630، ج 3 ص: 1145. و ابن خلدون: المقدمة، ص: 354.
(2) عمر فروخ: عبقرية العرب في العلم و الفلسفة، ص: 157.
(3) محمود حمدي زقزوق: الدين و الفلسفة، ص: 77، 89، 91، 95، 96.
(4) عاطف العراقي: الفيلسوف ابن رشد، ص: 27، 30، 31، 437.
(5) مراد وهبة و منى و منى أبو ستة: أنباء فلسفية، مجلة ابن رشد اليوم، ص: 9.