فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 232

و هي التي أوصلته إلى تحريف الشرع و إغفاله، و تقديم الأرسطية عليه، و مُخالفته صراحة في مواضيع كثيرة، كقوله بأزلية العالم، و نفي الصفات الإلهية، و إنكار المعاد الأخروي. و هي التي أوصلته أيضا إلى التعصب لأرسطو و الغلو فيه، و الإيمان بالخرافات و الأباطيل الأرسطية. و بذلك كان ابن رشد أول ضحية للفلسفة الأرسطية التي أضلته و ما هدته، و قيدته و ما حررته، و أفسدته و ما أصلحته، و أبعدته عن الحق و ما قرّبته منه، و جعلته فريسة للأوهام و الخرافات الأرسطية، و أخذت منه أعز أوقاته التي ضيّعها في خدمة الأرسطية الظلامية العقيمة، و أعاقته عن الفهم الصحيح للدين و التفكير الحر و النقد العلمي المُبدع النزيه.

و أما الخاصية الثامنة- من خصائص فكر ابن رشد- فتتعلق بالسلبية و العجز و الانهزامية في فلسفة ابن رشد، فهل اتصفت فلسفته بتلك الصفات؟. نعم إنها اتصفت بها، و تجلى ذلك في الشواهد الآتية: أولها إن تقديم ابن رشد للأرسطية على الشرع و تحريفه له من أجلها هو دليل قاطع على سلبيته و عجزه و انهزاميته تجاه تلك الفلسفة. فلو كان قوي الإيمان بدينه شديد الاعتزاز، ما سمح لنفسه أن يرفع الأرسطية الظلامية الشركية إلى تلك المكانة، و يزدري بدين الإسلام تجاهها.

و ثانيها إن تعصب ابن رشد لأرسطو و غلوّه فيه، حتى اعتقد فيه العصمة، و رفعه إلى مرتبة الملائكة، لهو دليل قاطع على سلبيته و عجزه و انهزاميته، فلو كان قوي الإيمان بدين الإسلام، و قوي الشخصية، و له شهامة و أُنفة ما قال ذلك الكلام الباطل في رجل كافر مشرك كثير الأباطيل و الضلالات، و الشركيات و الخرافات!!.

و الشاهد الثالث مفاده أن ابن رشد أمضى مدة طويلة من حياته في خدمة الفلسفة الأرسطية شرحا و تلخيصا، دفاعا و انتصارا لها، و تعصبا و غلوا فيها، من دون أن يُقدّم لنا دراسة نقدية هدمية لأصول تلك الفلسفة و أساسيات فروعها، مع ظهور بطلانها، و كثرة أخطائها و نقائصها و انحرافاتها. فلو عرضها على الشرع الحكيم، و العقل الصريح، و العلم الصحيح لتبيّن له تهافتها بجلاء و كتب في تهافتها بدلا من أن يكتب في الدفاع عنها في كتابه تهافت التهافت ردا على الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة. لكنه لم يفعل ذلك لأنه كان عاجزا مهزوزا مبهورا بها.

و من أمثلة عجزه أنه زعم أن النظر في صناعة الطب لا تتم إلا بالعلوم الفلسفية، و أيد رأيه بقول للطبيب جالينوس يقول فيه: إن الطبيب الفاضل فيلسوف بالضرورة [1] . و قوله هذا لا يصح شرعا و لا عقلا، و لا تاريخا و لا واقعا، و يدل على أن ابن رشد كان عاجزا عن القيام بعملية فصل الطب عن الفلسفة، و لا كان يتصوّرها مع وضوحها و إمكانية القيام بها. فأما شرعا فإن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- حث على طلب العلاج و تعلم الطب في قوله: (( تداووا عباد

(1) ا: رسائل ابن رشد الطبية، ص: 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت