فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 232

العلمي شاهد على صحة ما أقول، فلا توجد من بينه دراسة علمية نقدية هدمية بنائية عميقة للفلسفة الأرسطية المشائية. لذا غلبت على ذلك الإنتاج الشروح و التعليقات، و التلخيصات و المجاميع [1] .

و مما يُؤيد ذلك أن بعض الرشديين المعاصرين اعترفوا ببعض ما قلناه، فذكر الباحث محمد المصباحي أن الإبداع عند ابن رشد هو الإبداع في بيان ما قاله (( أرسطو، و توضيحا لم غَمُض من قوله، لا الخروج عليه. لقد أراد ابن رشد أن يبدأ من حيث بدأ أرسطو، لا أن يُدشّن بداية جديدة للنظر إلى المعرفة و الوجود. إنه يُصر على أن يبقى في إطار الأفق الأرسطي بوصفه الأفق النهائي لتاريخ الفلسفة ) ) [2] . و الثاني هو الباحث محمد عابد الجابري، إنه ذكر أن ابن رشد شرح كتب أرسطو، و سد ثغراتها بالاجتهاد داخل ما يقتضيه مذهبه [3] . فاجتهاد ابن رشد هو اجتهاد محدود داخل المذهبية الأرسطية و مقتضياتها، و عقلية هذا حالها لا يُمكنها أبدا إحداث ثورة نقدية في الفكر الفلسفي.

و ثانيا إن ما قاله الباحث عاطف العراقي هو قول لا يصح، و مُبالغ فيه جدا، يدل على أنه مُجازف فيما قاله. و ما ذكرناه في كتابنا هذا -من انتقادات- ينقض زعمه هذا و ينسفه نسفا. لأن ابن رشد كان محدود الاجتهاد و النقد كمًا و نوعًا، و لا ترقى به قُدراته إلى إحداث تلك الثورة النقدية المزعومة.

و أما ما قاله الجابري من أن ابن رشد اجتهد لإصلاح العقيدة الإسلامية و تصحيحها، و إرجاعها إلى عقيدة السلف، فهو زعم سبق إبطاله في كتابنا هذا، و بيّنا أن ابن رشد أظهر حرصه على الشريعة ليرد على المتكلمين، و لينتصر للأرسطية، و ليُخضع الشريعة للتأويل الباطني التحريفي لتتفق مع الأرسطية. فهل عمله هذا هو إصلاح للعقيدة و تصحيح لها، أم هو تحريف لها و تقدم عليها؟؟!، إنه عمل تلفيقي تحريفي خدمة للأرسطية، و قد سبق أن بيناه و وثّقناه.

و أما قوله بأن ابن رشد كان يسعى أيضا لفتح باب الاجتهاد في العقيدة على الأقل، فهو قول مُخالف للحقيقة التاريخية، لأن باب الاجتهاد في العقائد لم يُغلق كما حدث في مجال الفقه، فقد كان مفتوحا قبل زمن ابن رشد و خلاله و بعده، و شهدت هذه الفترة منازعات و تجديدات و مناظرات بين الفرق الإسلامية فيما بينها، و حتى بين الفرقة الواحدة أيضا. فالأشاعرة مثلا كانت لهم اجتهادات في العقائد خلال القرن الخامس الهجري، خالفوا فيها شيخهم أبي الحسن الأشعري (ق 4 ه) . و أهل الحديث هم أيضا كانت لهم اجتهادات و مناظرات فيما بينهم، و بينهم و بين مخالفيهم من الفرق الأخرى. و قد مثلهم في ذلك كبار علمائهم كأبي نصر السجزي (ق: 5 ه 9) ، و أبي

(1) سنتناول ذلك في المبحث الثاني من هذا الفصل.

(2) محمد المصباحي: المرجع السابق، ص: 133.

(3) الجابري: ابن رشد، ص: 162، و ما بعدها، 167 و ما بعدها، و 183 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت