فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 232

أن ذكرنا طرفا من ذلك. فرجل هذا حاله لا يصح أبدا وصفه بتلك المجازفات التي وصفه بها عاطف العراقي!!.

و لو كان ابن رشد ممثلا لثورة العقل في تاريخ الفلسفة عند المسلمين، ما رضي لنفسه أن يكون تلميذا مُغاليا متعصبا لرجل مُشرك، دافع عنه و عن فلسفته بباطل كثير و حق قليل جدا. و لو كان كذلك لركل الأرسطية ركلا، و لداس عليها دوسا، و لأبدع فكرا فلسفيا نقديا مُبدعا قائما على النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح. لكنه لم يفعل ذلك لأنه لم يكن ممثلا لثورة العقل في تاريخ الفكر الفلسفي عند المسلمين، و إنما كان ممثلا للفكر الأرسطي السلبي المتعصب.

و أما الخاصية الثالية -من خصائص فكر ابن رشد- فتتعلق بالنقد و الاجتهاد بمعناه الواسع، فهل فلسفة ابن رشد فلسفة نقدية اجتهادية إبداعية مُنتجة؟. يرى الباحث عاطف العراقي أن ابن رشد أحدث ثورة في النقد الفلسفي [1] .و ذهب الباحث محمد عابد الجابري إلى القول بأن ابن رشد كان له اجتهاد في مجال العقيدة لإصلاحها و تصحيحها، و إرجاعها إلى عقيدة السلف، أو على الأقل فتح باب الاجتهاد فيها، كما كان له الفضل في فتح باب الاجتهاد في الفقه الإسلامي [2] .و يرى الباحث حمادي العبيدي أن ابن رشد هو الوحيد الذي بنى مقاصد الشريعة على الأخلاق و الفضيلة التي هي غاية الشريعة و الفلسفة معا، حتى أنه (( كاد أن يُؤسس نظرية فلسفية خاصة بهذا المنحى في الشرع ) ).و الذين فسّروا الشريعة بالمصلحة، فعملهم كان خطرا عليها، لأن كلا من أراد الخروج عن أحكامها تعلل بالمصلحة و عطّل أحكامها [3] .

و ردا عليهم أقول: أولا إنه كانت لابن رشد انتقادات و اجتهادات متنوعة تتعلق بالفلسفة و قضاياها، لكنها كانت قليلة و جزئية بالمقارنة إلى اتساع المجالات الفلسفية و الشرعية التي خاض فيها ابن رشد. فهو لم يتعرض لنقد أصول الفلسفة الأرسطية و أساسيات فروعها. و معظم اجتهاداته تتعلق بمذهبيته الأرسطية و لا تخرج عنها، فهو لم يكن مجتهدا حرا مطلقا، و إنما كان مجتهدا في مذهبه الفلسفي متقيدا به، و متعصبا له، و مُغاليا فيه، حتى أنه أرسط من أجله نصوصا شرعية كثيرة، فجنى بذلك على الشرع و العقل معا.

و لو كان مجتهدا حرا مُطلقا، و ناقدا قديرا لاستطاع أن يُقوّض الفلسفة الأرسطية من أساسها بإلهياتها و طبيعياتها و منطقها. لكنه لم يكن في مستوى ذلك النقد و الاجتهاد، فجاء عمله النقدي الاجتهادي قليلا محدودا سطحيا، لا يصح أن يُسمى بأنه كان ثورة في النقد الفلسفي، و إنتاجه

(1) عاطف العراقي: الفيلسوف ابن رشد، ص: 139 و ما بعدها.

(2) الجابري: الكشف عن مناهج الأدلة، مدخل المحقق، ص: 32. و ابن رشد: سيرة و فكر، ص: 13، 14، 15.

(3) حمادي العبيدي: ابن رشد و علوم الشريعة، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، 19991، ص: 46 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت