علما بأن كل أهل العلم يستخدمون العقل، و لهم عقلانياتهم المناسبة لعلومهم، فهذا أمر مُشترك بين كل أهل العلم، و ليس خاصا بابن رشد وحده. و عليه فلا داعٍ للمزايدات و المبالغات في وصف فكر ابن رشد بأنه عقلاني، فإذا صحّ ذلك فيه فهو يصح أيضا في كل طوائف العلماء.
و لا يغيب عنا بأن العقلانية نوعان: عقلانية صحيحة تقوم على الشرع الحكيم، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، و هي العقلانية الفطرية الشرعية التي تُوجد في الإنسان الطبيعي الذي لم تُفسده المذاهب و العقائد الباطلة.
و الثانية هي العقلانية المذهبية المنحرفة، و تقوم أساسا على الظنون و الشركيات، و الضلالات و الأباطيل، و ليس فيها من العقلانية الصحيحة إلا القليل العاجز عن التحكم في العقلانية المذهبية التي أفسدت التفكير الصحيح في الإنسان الطبيعي السوي. و هذه العقلانية -أي المذهبية المنحرفة- هي التي ينتمي إليها معظم فكر ابن رشد الفلسفي. فهي عقلانية يغلب عليها التحريف و التلفيق، و التغليط و التدليس، و التعصب للباطل، و يصدق عليها و على أهلها قوله تعالى: (( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ) )-سورة النجم: 23 - ، و (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) )-سورة الحج: 8 - . فشتان بين العقلانية الفطرية الشرعية و العقلانية المذهبية المنحرفة!!.
و ثانيا إن ما ذهب إليه الباحث محمد المصباحي غير صحيح في معظمه، لأن الشريعة ليست في حاجة أبدا إلى مثل ذلك العمل الذي قال بأن ابن رشد قام به. لأنها أيضا كلها حق و نور، و علم و برهان، سَنت للعقل البشري قواعده النظرية و العملية قبل أن يُخلق ابن رشد بأكثر من 05 قرون. فهي شريعة كاملة شاملة للدين و الدنيا معا، و ليست في حاجة أبدا إلى ابن رشد و لا إلى غيره من أهل العلم ليُرسي فيها أسس العقل النظري و لا العملي. و حقيقة عمل ابن رشد أنه أخضع الشريعة للتحريف و التلفيق لأرسطتها، و ليس لإرساء العقل النظري فيها. إنه لم يُرس عقلا و لا نظرا، و إنما أرسى أرسطية مشائية قاصرة مُتعصبة، كثيرة الأخطاء و الانحرافات، و التحريفات و التلفيقات.
و ثالثا إن معظم مزاعم الباحث محمد العراقي غير صحيحة، فلم يكن ابن رشد عميد العقلانية و لا أحدث ثورة عقلية، و لا هو فيلسوف العقل، و لا كان قادرا أن يكون كذلك، و لا أن يقوم بذلك، و إنما كان فيلسوفا أرسطيا مُتعصبا لمذهبيته الفلسفية و مُغالٍ فيها، أقام قسما كبيرا من فكره على الظنون و الشركيات، و الأهواء و الخرافات، متابعا لأرسطو و متعصبا له. إنه رجل لم يكن يملك من العقلانية الصحيحة إلا القليل، و قد تغلّبت عليه العقلانية الأرسطية التي أفسدت قسما كبيرا من فكره، و أوصلته إلى اعتقاد العصمة في أرسطو و في فلسفته. فهو لم يكن ينتصر للعقل بقدر ما كان ينتصر لأرسطيته، حتى أنه قد يُخالف الشرع و العقل و العلم انتصارا لمذهبيته الفلسفية، و قد سبق