فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 173

وذكرنا فيما سبق أن الولاية كما يستعملها فقهاء المسلمين، فابن تيمية - رحمه الله - يستعملها كذلك، والمراد منها أعم من الإمامة والخلافة التي هي رياسة الدولة فتشتمل عليها وعلى غيرها من مختلف المراتب والأنواع كولاية الحرب والقضاء والمال والحسبة.

الولاية أمانة، وصف ابن تيمية الولاية أو الإمارة بأنها (( أمانة ) )كما جاء في الحديث الشريف: قول الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي - ذر رضي الله عنه - في الإمارة: (( إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ) ) [1] .

كما وصفها - رحمه الله - بأنها نيابة عن الله لأن: (( الولاة نواب الله على عباده ) ) [2] . وكذلك فهي وكالة عن الشعب لأن الولاة هم كما يقول - رحمه الله: (( وكلاء العباد على نفوسهم ) ) [3] .

كما يضيف إلى ذلك وصفًا آخر للإمارة أو الولاية فيصفها بأنها (( إجارة ) )ويقصد: أن الحاكم يأخذ أجرًا ليقوم بمهامه. وهذا الوصف الأخير مأخوذ من قصة أبي مسلم الخولاني، يذكر ابن تيمية القصة فيقول: (( دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. قال: إنما أنت أجير أستأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وفّاك سيدها أجرك، وإن أنت لم تهنأ جرباها [4] ، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها [5] ، عاقبك سيدها ) ) [6] .

والخلاصة، أن ابن تيمية - رحمه الله - أبرز بصورة قاطعة السلطة السياسة بالنسبة للدين. ولتأكيد هذه الأهمية ذكر ابن تيمية قول الإمام علي - رضي الله عنه: (( لا بد للناس من إمارة برَّة كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء ) ) [7] .

وجوبها وضرورتها: بين الإمام ابن تيمية - رحمه الله - في كتابيه الحسبة في الإسلام والسياسة الشرعية أنه لا بد للناس من حاكم وأن الولاية أي قيام نظام الحكم واجب شرعًا وعقلًا للناس. ويقول ابن تيمية في آخر فصل من فصول السياسة الشرعية، تحت عنوان (( وجوب اتخاذ الإمارة ) ): يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم ) ) [8] .

وروى الإمام أحمد في المسند عن عبدالله بن عمرو، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة [9] من الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدهم ) )، فأوجب - صلى الله عليه وسلم - تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا روي: (( أن السلطان ظل الله في الأرض ) ). ويقال: (( ستون سنة من إمام جائر [10] أصلح من ليلة بلا سلطان ) )، والتجربة تبين ذلك؛ ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل - رحمهما الله - وغيرهما، يقولون: (( لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان ) )، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولَّاه الله أمركم ) ) [11] .

وقال: (( ثلاث لا يَغلُّ عليهن قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) ) [12] .

(1) ابن تيمية - نفس المرجع - ص11.

(2) ابن تيمية - نفس المرجع - ص12.

(3) ابن تيمية - نفس المرجع - ص13.

(4) تهنأ جرباها: تضع الهناء - وهو القطران - مواضع الجرب مداواة لها.

(5) يقصد المحافظة على كل واحدة منها حتى تكون جميعها موضع رعايته.

(6) ابن تيمية - السياسة الشرعية - ص12.

(7) ابن تيمية - نفس المرجع - ص63.

(8) رواه أبو داود, من حديث أبي سعيد, وأبي هريرة.

(9) فلاةٍ: الصحراء.

(10) جائر: أي ظالم.

(11) رواه مسلم.

(12) رواه أهل السنن - يغل: يحقد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت