فعل ذلك وجد لفعله متبعًا، فقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: لما سمع أبو عثمان الحيري [1] من أبي حنيفة أن كتابه المخرج على كتاب مسلم كان يديم النظر فيه، فكان إذا جلس للذكر يقول في بعض ما يذكر من الحديث: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويقول في بعضه: روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فنظرنا فإذا به قد حفظ ما في الكتاب، حتى ميز بين صحيح الأخبار وسقيمها.
وأبو عثمان الحيري يحتاط في هذا النوع من الاحتياط فيما يورد من الأخبار في المواعظ وفي فضائل الأعمال، فالذي يوردها في الفرض والنفل، ويحتج بها في الحرام والحلال، أولى بالاحتياط وأحوج إليه، وبالله التوفيق.
قال الفقيه [2] : قد رأيت بعضًا ما أوردت عليه شيئًا من هذه الطريقة فزع في ردها إلى اختلاف الحفاظ في تصحيح الأخبار وتضعيفها، ولو عرف اختلافهم، لعرف أنه لا فرج له في الاحتجاج به، كما لا فرج لمن خالفنا في أصول الديانات في الاحتجاج علينا باختلافنا في المجتهدات، واختلاف الحفاظ في ذلك لا يوجب رد الجميع، ولا قبول الجميع، وإن من سبيله أن يعلم أن الأحاديث المروية على ثلاثة أنواع [3] :
1 -نوع اتفق أهل العلم به على صحته.
2 -ونوع اتفقوا على ضعفه.
3 -ونوع اختلف في ثبوته، فبعضهم يضعف بعض رواته بجرح ظهر له، وخفي على غيره، أو لم يظهر له من عدالته ما يوجب قبول خبره، وقد ظهر لغيره، أو عرف منه معنى يوجب عنده رد خبره، وذلك المعنى لا يوجبه عند غيره، أو عرف أحدهما علة [4] حديث ظهر بها انقطاعه، أو
(1) أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن منصور السابوري الحيري، ولد بالري سنة (230 هـ) وسمع من محمد بن مقاتل، وموسى بن نصر، وغيرهما، روى عنه الرئيس أبو عمر بن نصر، مات سنة (298) . انظر السير (14/ 63 - 66) .
(2) أي البيهقي نفسه.
(3) هذا التقسيم قد تابع فيه المصنف شيخه الحاكم، ففي (( المدخل إلى الإكليل ) )تقسيم للحديث بما يقارب ما هنا، وانظر المدخل إلى الإكليل: (ص 33 - 50) .
(4) العلة: هي الأمر الخفي القادح الذي يمنع من صحة الحديث. انظر تدريب الراوي: (1/ 252) ، والباعث الحثيث: (ص 65) .