الصفحة 43 من 46

فقلت في نفسي: قد ترك الشيخ، حرس الله مهجته، القوم فيما أحدثوا من المساهلة في رواية الأحاديث، وأحسبه سلك هذه الطريقة فيما حكي له عند مسح وجهه بيديه في قنوت صلاة الصبح، وأحسن الظن برواية من روى مسح الوجه باليدين بعد الدعاء [1] ، مع ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر الخراجي، قال: حدثنا سارية، حدثنا عبد الكريم السكري، قال: حدثنا وهب بن زمعة، أخبرنا علي النسائي قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الذي إذا دعا مسح وجهه، فلم يجب قال علي: ولم أره يفعل ذلك، قال: وكان عبد الله يقنت بعد الركوع في الوتر، وكان يرفع يديه في القنوت.

وأخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر بن داسة قال: قال أبو داود السجستاني: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف [2] أيضًا، يريد به حديث عبد الله بن يعقوب عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (سلوا الله أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فذا فرغتم، فامسحوا بها وجوهكم) [3] .

وروي ذلك من أوجه أخر كلها أضعف من رواية من رواها عن ابن عباس، وكان أحمد بن حنبل ينكرها [4] ، وحكى عنه أنه قال في الصلاة: ولا بأس به في غير الصلاة.

قال الفقيه: وهذا لما في استعماله في الصلاة من إدخهال عمل عليها لم يثبت به أثر، وقد يدعو في آخر تشهده ثم لا يرفع يديه، ولا يمسحهما بوجهه، إذ لم يرد بهما أثر، فكذا في دعاء القنوت يرفع يديه لورود الأثر [5] به، ولا يمسح بهما وجهه؛ إذ لم يثبت فيه أثر، وبالله التوفيق.

وعندي أن من سلك من الفقهاء هذه الطريقة في المساهلة أنكر عليه قوله، مع كثير ممن روى هذه الأحاديث في خلافه، وإذا كان هذا اختياره، فسبيله أدام الله توفيقه يملي في مثل هذه الأحاديث روي عن فلان، ولا يقول روي فلان؛ لئلا يكون شاهدًا على فلان بروايته من غير ثبت، وهو إن

(1) رواه أبو داود برقم: (1485 - 1486) .

(2) سنن أبي داود: (2/ 78) .

(3) رواه أبو داود برقم: (1485) ، والحاكم: (1/ 526) ، وابن ماجة برقم: (1181، 3866) ، والطبراني في الكبير برقم: (10779) .

(4) انظر مختصر كتاب الوتر لابن نصر: (ص 152) ، والمغني، (1/ 449) ، ومسائل أحمد لأبي داود: ص (71) .

(5) يريد لثبوت هذا في الصحابة، وانظر في هذا مختصر الوتر: ص (139 - 140) . والمغني: (1/ 449) ، وابن أبي شيبة: (2/ 307، 316) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت