قد يبدو ان هناك شيئًا من التعارض بين هذه الأقوال وما سبق تقريره حيال المشروعات العامة. ودرءًا لهذا التعارض ذهب بعض الباحثين إلى أن مقصود هؤلاء العلماء ليس قيام الدولة كجهاز حاكم بإقامة هذه المشروعات، وإنما قيام الحكام بذلك لأنفسهم ولمصلحنهم هم وليس من أجل المصلحة العامة. وأرى أن هذا التأويل فيه بعد. ونحن في سعة من القول به, ويمكن القول بأن ماقاله هؤلاء العلماء صحيح وسليم في ظل الفروض والواقع الذى شاهدوه، فهم يتحدثون عن منافسة الحكومة للقطاع الخاص، ودخولها معهم في حلبة النشاط الاقتصادي وكأنها مثلهم، تمارس هذه الأنشطة كما يمارسونها، وبالطبع فإنه في ظل هذه الفرضية فإن كل ما تخوفوا منه صحيح، ومن ثم كان موقفهم صحيحًا اقتصاديا وأيضًا شرعيا. لأن الدولة بذلك تضر ولاتصلح، وهي إنما جاءت لرعاية المصالح وحمايتها.
بيد أن نطاق القطاع العام في ضوء التصوير المتقدم لا يقوم على المنافسة والمضايقة واقتطاع حصة مما يدخل للقطاع الخاص، وإنما هو أسلوب لاستغلال الموارد العامة يمكن اتباعه إذا ما تبين بالدراسة العلمية الدقيقة أنه أمثل وأفضل من الأسلوب البديل؟ إن فكرة مزاحمة الأفراد في الفرص المتاحة وفي أنشطتهم من قبل الدولة مرفوضة إسلاميًا، وقدنص الفقهاء على أنه لا يجوز للدولة أن تحمي من الأراضي ما يضيق الفرص أمام الأفراد للاستفادة منها (36) ، فما بالنا بإقحام الدولة نفسها في مجالات يقوم بها القطاع الخاص على وجه سليم،
وفى النهاية نعود إلى لب موضوعنا ونطرح هذا التساؤل: إذا ما كان هناك قطاع عام ذو صبغة شرعية فهل من حق الدولة أن تخصصه؟ نقول إن كان تخصيص إدارة فالإجابة بنعم، بغير خلاف، حيال كل المشروعات العامة، شريطة أن يكون ذلك هو الأسلوب الأمثل. وشريطة ألا يترتب عليه تفويت حق لأي فرد كان له في ظل المشروع العام في المجتمع. وقد فعل ذلك عثمان رضي الله عنه في أرض الصوافي كما طالب بفعله عمر بن عبد العزيز.
أما إن كان تخصيص ملكية. بأن تصبح هذه المشروعات ذات الملكية العامة مملوكة ملكية خاصة فإن الجواب بالإمكانية أو عدمها ليس سهلًا، ولا ينبغي التعميم والإطلاق. ومرجع ذلك ما سبقت الإشارة إليه من تنوع الممتلكات العامة ما بين ملكيات جماعية أو مشتركة لكل الناس، وبين ملكية للدولة أو لبيت المال. وما نجم عن ذلك من ضوابط شرعية على حدود ونطاق تصرف الدولة في هذه الأموال. وسبقت الإشارة إلى أن هناك من الأموال العامة ما لا يحق للدولة أن تغير ملكيتها أو تعدل منها بتحويلها كلًا أو جزءًاإلى ملكيات خاصة. بيد أن هناك أموالًا عامة تقبل هذا التحويل. ومعنى ذلك أن المشروعات العامة المرتكزة على