العامة المنضبطة والمقننة شرعا، وكل ما هنالك من تمييز بينها فإنه يرجع إلي حدود وحجم وجوانب هذا التصرف، فهذا ذو حدود ضيقة، وذاك أوسع حدودًا أو نطاقا. وهذا التمييز يخدمنا كثيرا في التعرف علي موقف الاقتصاد الاسلامي من نوعي الخصخصة، فهناك أموال عامة لاتقبل خصخصة الملكية لكنها قد تقبل خصخصة الادارة والتأجير، وهناك اموال عامة ترد عليها الخصخصة بنوعيها.
وليس من اليسير قيام تحديد دقيق لمفردات كل نوع من هاتين الملكيتين بشكل يحظي باتفاق العلماء، لكن ذلك لايمنع من وجود أمثلة بارزة واضحة لكل منهما لا تحتمل الجدال والخلاف، فهناك الطرق والانهار والمناجم والغابات وبعض الاراضي تدخل تحت النوع الاول بغير خلاف يذكر، وهناك بعض الاراضي، مثل أراضي الصوافي والاراضي التي آلت إلي بيت المال علي سبيل الميراث وانواع من الايرادات العامة يمكن، ان ندرجها تحت النوع الثاني ...
يتضح مما سبق أن النظام الإسلامي للملكية يقرر وجود الملكية العامة كركيزة يقوم عليها النظام الإقتصادي في الإسلام، كما يقوم على ركيزة الملكية الخاصة. وأن هذا النظام يرفض خصخصة ملكية بعض الأموال العامة، ويجيزها في البعض الآخر. أما خصخصة الإدارة فلايمكن التعرف على موقف الاقتصاد الإسلامى منه دون التعرض لمسألة نظام إستغلال الممتلكات العامة. وهذا مانعرض له في الفقرة التالية:
3 -نظام استغلال الممتلكات العامة:
(أ) الأموال المتجمعة في بيت المال، مثل مال الخراج، والأموال الأخري التي توجه للإنفاق في المصالح العامة الأصل فيها أن توجه مباشرة للإنفاق علي هذه المصالح، فتشيد بها السدود والقناطر وتعبد بها الطرق وتبنى بها المدارس والمستشفيات ومختلف المرافق وتدفع منها الأجور والمرتبات .. الخ. ومعني ذلك أن الشأن فيها هو الإستخدام والإنفاق وليس الاستغلال والحصول منها على غلة أو عائد. ومع ذلك فلنفرض أن هناك فائضًا في هذه الأموال, وقلنا بإدخاره للمستقبل، كما نص على ذلك الكثير من الفقهاء وخاصة الأحناف. فهل هناك ما يمنع من استثمار هذه الأموال واستغلالها في اقامة مشروعات اقتصادية؟ ليس هناك ما يمنع ذلك، بل إن ذلك هو النهج السليم، وإلا تحولت إلى مكتنزات. طالما انها لم تستغل استغلالًا اقتصاديًا جيدًا. وهناك إشارات فقهية تفيدنا في ذلك، فقد ورد في المبسوط إن المروزى نقل عن محمد بن الحسن قوله"فإن اشترى الإمام بمال الخراج غنمًا سائمة للتجارة وحال عليها الحول فعليه فيها الزكاة" (26) والشاهد هنا الاعتراف الفقهى بقيام الدولة باستثمار واستغلال مال الخراج، وذلك بتحويله إلى أصول نامية يتحقق منها ربح. وقد تمثل ذلك في عهده في شراء غنم ترعى وتنمو وتتكاثر وتباع, بدلًا من الاحتفاظ بأموال الخراج في شكل نقدي