فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 106

أحيانًا يحار الإنسان في زمن الفتن، وتتضارب الآراء الكثيرة التي يختلط فيها الحابل بالنابل، وتختلف الموازين في الحكم على الأمور، ويقول أين المخرج، وكيف السبيل إلى الهداية المنجية؟

أقول: في قصة تميم توجيها لنا إلى أعظم سبب من أسباب الهداية، وهو طلبها بصدق والاستعداد لمقتضيات هذا الطلب و مستلزماته؛ فإذا وجد طلب الهداية في قلب الإنسان بحق مع الاستعداد له فإنه ستيسر له الهداية المنجية، ولو بعكس الأسباب، وسيكون على برهان من ربه ونور، و لو كان الواقع حوله كله بخلاف ذلك.

وهذا الأمر نتعلمه من قصة إسلام سلمان الفارسي - رضي الله عنه -، الذي كان سادنًا من سدنة النار التي تعبد من دون الله؛ أي كان في أبعد الأماكن عن الحق، لكن عندما توفر عنده طلب الهداية وسعى لها، كان من أهلها حتى أصبح كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: سلمان منا آل البيت.

وتميم الداري - رضي الله عنه - كان عنده طلب لمعرفة الحق و استعداد للسعي للهداية وسياق قصته إلى أن أسلم يدل على ذلك؛ لذا كان صاحب أكبر فتنة على وجه الأرض سببًا في توجيهه للذهاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أي كان الدجال سببًا لهدايته، وهذا بعكس الأسباب؛ إذ الأصل أن الدجال سبب في صرف الناس عن الهداية.

وعليه يمكن القول أن قصة الجساسة كانت سببًا لأمرين:

الأول: تعزيز الإيمان وتأكيد الهداية عند الصحابة الكرام؛ حيث عايشوا دليلًا من دلائل نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - يرويه أحد النصارى الذي جاء ليعلن إسلامه بعد معاينته لهذا الدليل.

الثاني: الاستعداد القبلي للإيمان عند تميم - رضي الله عنه -، وطلبه الهداية كان سببًا في تهيئة الأسباب الربانية له لحصول الهداية في حقه، و توفير الأسباب الممهدة لذلك والمخالفة للحس والعقل، وبما يتوافق مع عقليته، فتميم عنده الاستعداد للهداية، وسمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه لم ينتبه للأمر لبعد المسافة بينه وبين المدينة من ناحية، ولعدم معاينته لدلائل معززة للإيمان لسطحية الأخبار الواردة له والمدللة على صدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

لكن هذا الاستعداد القبلي عند تميم كان سببًا في تهيئة الظروف الممهدة للهداية في حقه، والتي كانت عبارة عن قصة عجيبة مبدؤها التيه ومعاينة الموت في البحر، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت