لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم غنى ولا فقرًا، ولا ضرًا ولا نفعًا [1] .
وهذا هو شأن المؤمن دوما، وإنه مَعْلم خالد من معالم الشخصية المسلمة، التي لا تذل إلاَّ لله، ولا تخاف إلاَّ منه، ولا تفزع إلاَّ إليه، ولا تطمع إلاَّ في فضله وإحسانه، ولا ترجو إلاَّ عطاءه وخيره، فهي توقن أن الرزق معلوم، وأن الأجل محتوم [2] ، وأن الحياة بيد الله تعالى مالك الملك، خالق الخلق، مقدر الرزق، بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجع الأمور، بيده الآخرة والأولى، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء، يرفع من يشاء، ويخفض من يشاء، له العزة الشاملة، والحكمة البالغة، والإرادة النافذة، والمشيئة القاهرة، لا معقب لحكمه، ولا رادَّ لأمره، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد.
وهذه المعاني الجليلة العظيمة التي تفيض بها شخصية المؤمن، تنسكب في أعماق وجدانه وبؤرة شعوره، فيمتلئ بها قلبه نورًا ومعرفة وهداية، وتنعكس على أقواله، وأحواله، وأفعاله، فينتُج من ذلك كله مَثَلٌ حيٌّ كريمٌ في الحياة، يدل على
(1) وما أجمل قول بعضهم:
لا تَضْرَعَنَّ لمخلوق على طمع ... فإنَّ ذاك مضر منك بالدين
واسترزق الله رزقًا من خزائنه ... فإنما هي بين الكاف والنون
أخرجه الدينوري في المجالسة (7/ 341 رقم 3270) .
(2) وما أجمل قول بعضهم:
تيقن فإن الرزق غادٍ ورائح ... وإن المنايا ممسيات صوابح
يبكين منك الباكيات ترحلًا ... وينسين جوف القبر تلك الروائح
أخرجه الدينوري في المجالسة (7/ 72 رقم 2938) .