المنهج الإسلامي العظيم الشامل الكامل في بناء شخصية الإنسان المؤمن.
وفي المقابل فإنه يشاهد من بعض الناس الخضوع والخنوع والذل لأناس أمثالهم، ممن جعلهم الله سببًا من أسباب الرزق، وما ذلك إلاَّ لخلو قلوبهم، وفراغ نفوسهم من هداية الإسلام الربانية العظيمة، وبعدهم عن طاعة الله عز وجلَّ، وذلك أن من لم يذل نفسه بالطاعة لله تعالى أذله الله لما سواه، ومن لم يتعلم الافتقار إليه سبحانه، أفقره إلى ما سواه، ومن لم يتعلم الوقوف أمام الله تعالى بإظهار الحاجة إليه في كل شيء أحوجه الله إلى ما سواه. وأبواب هذا التعلم ومسالكه وطرقه متيسرة لكل من أرادها، فهي في الصلاة بجميع أنواعها وفي الزكاة، وفي الحج وفي الصوم، إنها في سائر العبادات والقربات والطاعات لله سبحانه وتعالى.
إن قضية الرزق قضية دقيقة خطيرة لها آثارها الواضحة على سلوك الإنسان ومقاله، والمؤمن في هذه القضية يعتصم بمنهج الإسلام الرباني العظيم، فلا اضطراب في خطواته وسلوكياته وأقواله، ولا انفصام في شخصيته، وذلك شأنه أيضًا وهو يبذل طلبًا لرزق ليس للبشر فيه مدخل أو سبب، ولكنه رزق يهبه الله تعالى مباشرة لمن يشاء، وذلك هو رزق الذرية، الذي يريده كل الناس ويطلبونه، ولا يستغنون عنه، ومع شغفهم به وحبهم له، فقد يتأخر مدة تقصر، أو تتوسط، أو تطول، وقد لا يأتي بالمرة، وذلك كله بتقديره وعلمه وحكمته سبحانه. والناس أمام ذلك أحد إنسانين: إما: إنسان عاقلٌ يبذل الأسباب المتاحة ويرضى بقدر الله وعطائه في كل الأحوال لأنه يؤمن بأن الله تعالى وحده هو الذي ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] الآية، وهو جلَّ جلاله الذي يُقِرُّ في الأرحام ما يشاء إلى قدر معلوم عنده، وهو جلَّ وعلا الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاء، وهو عزَّت قدرته وتقدَّست أسماؤه الذي ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [2] وأنه لا نبي ولا ملَك، ولا وليَّ، ولا طبيب، ولا حكيم، ولا أحد من الخلق إنسهم وجنهم بقادر على أن يهب لنفسه، أو لغيره ذريةً ما أو بعضًا منها، وذلك هو موقف الإنسان العاقل المؤمن، وإما: إنسان ضعيف عاجز أمام وساوس نفسه، وما توحي به إليه شياطين الإنس والجن في هذا الأمر، وذلك أمر يكلفه كثيرًا، ولا يعود عليه في النهاية إلاَّ بالخسارة المادية والمعنوية، فهؤلاء الشياطين يتلقفون ضعاف الإيمان، ويوهمونهم بأن حصول الذرية ميسور، ولكن لابد من القيام لذلك ببعض الأشياء، وتقديم بعض الأعمال والأموال في صورة معينة يحددها هؤلاء الشياطين حتى ينتهي الأمر بهذا الإنسان إلى أن يخسر دينه قبل أن يخسر دنياه، ويفقد ماله وراحة قلبه وطمأنينة نفسه، ولا يعود من ذلك بشيء إلاَّ كما يعود بالماء من يجري
(1) القصص: (68) .
(2) سورة الشورى: (49 - 50) .