سادسًا: لم يكتف البابا بمراسلة الملوك والأمراء فقط، بل راسل أيضًا العسكريين والاقتصاديين في ميناء جنوة الإيطالي للمساعدة بأسطول بحري يسهِّل مهمة الحملة الصليبية، وقد استجاب الجنويون لنداء البابا، وأعدوا اثنتي عشرة سفينة بحرية، وناقلة كبيرة للجنود، وذلك في مقابل امتيازات كبيرة في بلاد الشام عند احتلالها [1] .
سابعًا: لم يقتصر البابا على المراسلات المكثفة التي أرسلها لكل رءوس الدول والإمارات، إنما أخذ يتجول بنفسه في مدن كثيرة وقرى عديدة، داعيًا لنفس المهمة، فعقد مجمعًا في ليموج Limoges في ديسمبر 1095م بعد المؤتمر الأول بأقل من شهر، ثم في عام 1096م قام بعدَّة جولات في أنجرز ومان وتورز وبواتييه وبوردو وتولوز ونيم، وهذا كان في الفترة من يناير إلى يوليو 1096م [2] .
وقد أسفرت هذه الجهود عن تجميع عدد كبير من الجنود جُلُّهم من فرنسا، وإن كان هناك جنود جاءوا كذلك من إيطاليا وإنجلترا وإسبانيا، بل ومن بعض البلاد البعيدة مثل إسكتلندا والدنمارك [3] .
ثامنًا: هدَّد البابا بأن كل من يقرِّر المشاركة ويحمل شارة الصليب ثم يتخلف عن الخروج فإنه سيعاقب بعقوبة الحرمان [4] ؛ وقد فعل ذلك لكي يتجنب خطورة الحماسة الطارئة التي ما تلبث أن تفتر، فيجد أن الأعداد الكبيرة لم تصبر معه على الخروج مما ينذر بخطر كبير. وهو بذلك التهديد قد ضمن أن كل من عرض الخروج سيخرج؛ وبذلك يستطيع أن يبني حساباته على أرقام صحيحة.
لقد كان جهدًا كبيرًا ومنظمًا بذل فيه الكثير من الوقت والفكر والمال، وجمعت فيه جهود أوربا الغربية في قضية واحدة، وهذا لم يحدث منذ عدة قرون، ومنذ سقوط الإمبراطورية الرومانية القديمة.
بعد ذلك الاستعراض لخلفية أوربا التاريخية، ولخلفية البابا الفكرية، وللجهود التي بذلت، وللجموع التي استجابت للدعوة نستطيع أن ندرك البواعث الحقيقية لهذه الحملة الصليبية.
إن كثيرًا من المؤرخين يجعل الباعث وراء الحملة الصليبية سببًا معينًا واحدًا أو رئيسيًّا، وينكر ما دونه من أسباب ودوافع، وهذا ينافي الواقع الذي رأيناه، وينافي خروج هذا الشتات من الناس، حيث يمثِّلون عدة طبقات من المجتمع الأوربي، وعدة بلاد مختلفة، وعدة أمراء وزعماء، وعدة لغات ولهجات، وعدة مستويات اجتماعية.