الصفحة 69 من 390

واحدة، يقولون فيها:"الرب يريدها"Deus lo volt، وهي الصيحة التي صارت شعارًا للحرب بعد ذلك [1] .

ومن الجدير بالذكر أن البابا أوربان الثاني نفسه لم يكن يتوقع هذه الاستجابة الهائلة من الناس، بل إن هذه الاستجابة الضخمة أقلقته؛ لأنه كان يريد الاعتماد على الفرق النظامية والجيوش المدربة وليس العوام من الناس، ولكن العامَّة وجدوها فرصة للهروب من أزماتهم ومشاكلهم وديونهم وجوعهم ومرضهم، وبالتالي لم يكن هناك فرصة للتراجع [2] .

لقد كانت ثورة حقيقية في فرنسا، ومنها انتقلت إلى كل غرب أوربا [3] . وفي هذا المؤتمر أعلن البابا أوربان الثاني أنه على كل من قرَّر الخروج إلى هذه الحملة أن يحيك صليبًا من قماش أحمر ليضعه على كتفه؛ إشارةً إلى دينيَّة الحملة، ونبل المقصد [4] .

غير أن البابا لم يكتف بالحماسة الطاغية في المؤتمر، إنما أتبع ذلك بخطة عمل محكمة تضمن استمرارية الحماسة، وقوة التفاعل؛ ولذلك فقد قام البابا بعدة خطوات مؤثرة، كان منها ما يلي:

أولًا: الحرص على وجود الغطاء الكنسيّ، والهيمنة البابوية على الحملة من بدايتها الأولى؛ ولذلك عيَّن في يوم مؤتمر كليرمون الأسقف أديمار دي مونتي أسقف لوبوي Le Puy قائدًا عامًّا رُوحيًّا للحملة، وكان بمنزلة نائب البابا في هذه الرحلة [5] .

ثانيًا: تواصل البابا مع كل المجامع الدينية في أوربا الغربية؛ ليأخذوا على عاتقهم مهمة تحميس الناس في مدنهم وقراهم، وبذلك تنتشر الدعوة إلى الحرب في كل مكان [6] .

ثالثًا: قام البابا بتكليف أحد رهبان اميان، وكان يُدعى بطرس الناسك، بالقيام بجولات مكثفة في أوربا لتحميس الناس، وجمع المقاتلين لغزو فلسطين، وكان بطرس الناسك هذا رجلًا موهوبًا في الخطابة، وكان يلبس الملابس الرَّثَّة، ويمشي حافي القدمين، ويركب حمارًا أعرجَ، فأخذ القضية بمنتهى الجدية، وبدأ في التجول في أنحاء فرنسا، وخاصةً في الشمال الشرقي منها، وكان له فعل السحر في الناس [7] ، فكانوا يتبعونه بالعشرات والمئات والآلاف، واستطاع في غضون شهور قليلة أن يجمع خمسة عشر ألف رجل، غير نسائهم وأطفالهم [8] ، وكان جُلُّ من انضم إليه من عوام الناس الفقراء، ومن المجرمين الخارجين على القانون، كما انضم إليه عدد قليل من الفرسان وأمراء

(3) قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص110، الحملة الصليبية الأولى نصوص ووثائق تاريخية ص17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت