الصفحة 67 من 390

الاقتصادية، وبالتالي سيكون قبولهم لفكرة الحروب ضد الشرق الإسلامي فكرة مقبولة لإخراجهم من أزماتهم الكثيرة [1] .

ومن ثَمَّ قرر البابا أن يعقد مؤتمره الجامع في مدينة كليرمون [2] الفرنسية وذلك في (488هـ) 27 من نوفمبر سنة 1095م (خريطة 9) ، وقد آثر أن يكون الوقت متأخرًا نسبيًّا؛ ليكون هناك فرصة لتبليغ الدعوة في أطراف فرنسا، وليحضر أكبر عدد من الفرنسيين. كما آثر ألا يكون المؤتمر في باريس؛ لكي لا يصطدم مع فيليب الأول ملك فرنسا، الذي كان على خلاف مع البابا، وأيضًا على خلاف مع أمراء الإقطاعيات الذين يعتمد عليهم البابا في مهمته.

كان البرد شديدًا في ذلك اليوم، ومع ذلك فقد لبَّت جموع هائلة دعوة البابا، واجتمعوا في أحد الحقول الفسيحة في كليرمون، بل وامتلأت القرى والمدن المجاورة لكليرمون بالقادمين من كل مكان لسماع الخطبة المهمة التي كان البابا يرتِّب لها منذ سبعة أشهر كاملة [3] .

خطب البابا خطبة طويلة عصماء، وكان بليغًا مفوهًا، وصبرت الجموع في البرد الشديد، بل وتفاعلت تفاعلًا كبيرًا مع كلمات البابا، الذي ضرب على أكثر من وتر في خطبته؛ وذلك ليؤثِّر في كل الحضور على اختلاف نوعياتهم وظروفهم وأهدافهم.

وقد جاءت خطبة البابا في أكثر من رواية من الروايات الأوربية التي صوَّرت الحدث، واستخدم فيها أكثر من وسيلة لإقناع الحضور بضرورة التوجه إلى فلسطين لنجدة النصارى الشرقيين، ولحماية الحجاج المسيحيين الذين يعانون - كما يصور البابا - من ظلم وبطش الكفار (وهو يقصد المسلمين) [4] .

وكان من المؤثرات التي استخدمها البابا في خطبته أنه لا يتكلم في هذه الخطبة نيابة عن نفسه، وإنما يتكلم نيابة عن المسيح - عليه السلام - نفسه، فقال مثلًا:"ومن ثَمَّ فإنني لست أنا، ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات" [5] . واستخدم فيها نصًّا من إنجيل لوقا فيه:"ومن لا يحمل صليبه، ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" [6] .

(1) انظر رواية روبير الراهب الذي كان من بين حضور مجمع كليرمون:

(2) تقع في جنوب فرنسا، على بُعد 330 كيلو مترًا تقريبًا من باريس.

وعن الجولة التي قام بها البابا في الجنوب الفرنسي، وإعداده لمجمع كليرمون، انظر:

وأفضل دراسة لخطبة البابا في كليرمون قام بها مونرو، عن طريق مقارنة نصوص المؤرخين اللذين أوردوها، انظر:

(6) إنجيل لوقا 14: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت