تطورات خطيرة في العلاقة الإسلامية المسيحية، عندما قُتل بعضُ رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زعماء النصارى، وتحديدًا الحارث بن عُمَيْر الأزديّ - رضي الله عنه - الذي قتله شُرَحْبِيل بن عمرو الغسَّاني [1] ؛ مما أدى إلى الصدام العسكري الأول بين المسلمين والمسيحيين في موقعة مؤتة سنة 8هـ، التي انتهت بانتصار المسلمين وتراجع الرومان، وكذلك انسحاب خالد بن الوليد بالجيش مكتفيًا بزوال هيبة الجيش النورماني العملاق [2] .
وأتبع ذلك ببوادر صدام ضخم لم يتم، وكان ذلك في تبوك سنة 9هـ؛ حيث انسحبت الجيوش الرومانية ولم يحدث قتال، وإن كان ظهر للعيان قوة الدولة الإسلامية الناشئة [3] .
ولم تكن كل العلاقة الإسلامية المسيحية علاقة حروب، بل كانت هناك علاقات أخرى كثيرة من التعايش والتعاهد، مثلما حدث مع الحبشة ونصارى نجران ونصارى أيلة وغير ذلك.
ولكن وضح في الصورة أن الدولة البيزنطية ستحمل لواء الصراع مع المسلمين في السنوات، بل القرون المقبلة.
ثم كان الصدام مباشرًا وقويًّا أيام خلافة الصديق - رضي الله عنه -، ثم عمر - رضي الله عنه -، وكانت المعارك الشهيرة التي انتصر فيها المسلمون مثل أجنادين وبيسان [4] ، ثم موقعة اليرموك الكبرى، ثم فتح دمشق وحمص وحماة، ثم سقوط بيت المقدس في أيدي المسلمين، وبالتالي فتح كل مدن فلسطين ولبنان وسوريا وأجزاء من تركيا، كل ذلك في غضون سبع سنوات فقط؛ حيث بدأت هذه المعارك في (12هـ) 633م، وسقطت قيصريَّة سنة (19هـ) 640م، وهي آخر معاقل الدولة البيزنطيَّة جنوب جبال طوروس [5] .
ثم تطوَّر الصدام ليكسب المسلمون جولة ثانية مهمة جدًّا بعد الشام وفلسطين وهي مصر؛ حيث انتصر المسلمون على جيوش الرومان التي كانت تحتل مصر أكثر من تسعمائة سنة، فكان الفتح الإسلامي لمصر بقيادة عمرو بن العاص - رضي الله عنه - في سنة (20هـ) 641م، ثم وصلت الفتوح إلى برقة بليبيا سنة (22هـ) 643م [6] .
وفي جولة جديدة، وحلقة أخرى من حلقات الصراع وصل المسلمون إلى شمال إفريقيا في زمن الخلافة الأموية أيام معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، حيث قام عقبة بن نافع بفتح تونس سنة
(1) انظر: ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 1/ 589.
(2) انظر غزوة مؤتة: ابن هشام: السيرة النبوية 2/ 378:373.
(3) انظر غزوة تبوك: ابن هشام: السيرة النبوية 2/ 515.
(4) الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/ 347، 359.
(5) الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/ 335، 448، 511.
(6) الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/ 512، 534.