وعند مراجعة خطبة الكتاب المطبوع بتحقيق فخر الدين قباوة [1] ، وخطبة الكتاب التي ذكرها أبو حيان الأندلس [2] ، وجدنا فارقا كبيرا بين الخطبتين، وعندها أدركنا ما يعنيه أبو حيان من قوله: (في النسخة الجديدة) وهذا يدل دلالة قاطعة على أن ابن عصفور قد راجع كتابه في مرحلة متأخرة، فأضاف عليه بعض الإضافات، ومن ذلك الحديث عن الضرائر الشعرية، وبذكر هذا الدليل تستقيم لنا الأدلة كلها، والتي تؤكد أنّ الممتع قد سبق المقرب وضرائر الشعر من حيث التصنيف [3] .
مصادر الممتع:
استقى ابن عصفور مادة كتابه من الكتب الصرفية، التي تضم بعض مسائل اللغة، والتي عُرفت في وقته، وكذلك الكتب النحوية والأدبية واللغوية، التي تضم بعض المسائل الصرفية،
(1) خطبة كتاب الممتع التي ذكرت في المطبوع بتحقيق فخر الدين قباوة، هي: (وبعدُ، فإني لما رأيت النحويين قد هابوا لغموضه علم التصريف، فتركوا التأليف فيه والتصنيف، إلا القليل منهم فإنهم قد وضعوا فيه ما لا يُبْرِدُ غليلا، ولا يحصل لطالبه مأمولا، لاختلال ترتيبه، وتداخل تبويبه، وضعت في ذلك كتابًا رفعت فيه من علم التصريف شرائعه، وملَّكتُه عاصيَه وطائعَه، وذللته للفهم بحسن الترتيب، وكثرة التهذيب لألفاظه والتقريب، حتى صار معناه إلى القلب أسرع من لفظه إلى السمع، فلما أتيت به على القِدْح، ممتنعًا عن القَدْح، مُشبِهًا للروض في وشي ألوانه، وتَعمُّم أفنانه، وإشراق أنواره، وابتهاج أنجاده وأغواره، والعقد في التئام وصوله، وانتظام فصوله، سميته بـ"الممتع"، ليكون اسمه وَفق معناه، ومترجمًا عن فحواه.
(2) خطبة كتاب الممتع التي ذكرها أبو حيان، هي: (أما بعدُ، فإني لما رأيت النحويين قد هابوا لغموضه في علم التصريف، فتركوا التأليف فيه والتصنيف، إلا القليل منهم فإنهم وضعوا فيه كتبًا مظلمة المعاني، غير محكمة المباني، لاضطراب ترتيبها، وتداخل تبويبها، فحملني ذلك على أن وضعت كتابًا استوفيت فيه أقسامه، وأحكمت نسقه ونظامه، وعبدت فيه طريق الإيضاح لما أوردته بتبيين السبب والعلة، ومهدت سبيل الإفصاح عما قصدته، بإيراد الحجة التي قامت على صحتها الأدلة. فلما أتيت به فائز القِدح، واري القَدح، مشتملًا على جملته وتفصيله، محتويًا على دقيقه وجليله، سميته بالممتع؛ ليكون اسمه طبقًا لمعناه، ومنبئًا عن مقتضاه، وهو المسئول سبحانه أنْ يعيننا، ويوفقنا لطاعته، ويجعلنا ممن أنضى فيها مطايا استطاعته بمنه ويمنه) ، ثم قال أبو حيان: من كتاب الممتع من النسخة الجديدة لأبي الحسن بن عصفور رحمه الله. تذكرة النحاة، ص 540.
(3) مما يجد ذكره أن كتاب الممتع قد طبع عدة طبعات بتحقيق قباوة، كان أولها سنة (1970) وكانت الطبعة الثامنة سنة 1996 م، وهذه الطبعة قد صدرت بعد مناقشة هذه الأطروحة بحوالي ثماني سنوات، وقد قال قباوة في هذه النشرة الأخيرة: وأضاف ابن عصفور إليه الكثير، فقد صنف"الممتع"للأمير عبد الله بن عبد العزيز، في أشبيلية بين عامي 625 و 629، في صورة مختصرة بدائية، ثم تابع إغناءه بالمواد العلمية سنة بعد سنة، يُلحقها بحواشي نسخته بخطه، حتى وافته المنية سنة 669 هـ. وفي خلال ذلك كانت النسخ تتولد من الكتاب، وكل منها يحمل الزيادات التي سجلت آنذاك. ولذا رأينا الخلاف الكبير بين النسخ التي وصلت إلينا نماذج منها أو من نصوصها، في الزيادة والنقص والتعديل والتصويب، فكان منها ما يحمل صور تطور الكتاب بين يدي مؤلفه وثقافته وعلمه. والواقع أن أبا حيان النحوي اطلع على الصورة الأخيرة من نسخة المؤلف نفسه، وعبر عنها بالنسخة الجديدة، وأطلق عليها اسم"الممتع الكبير". ذلك لأن ابن عصفور كان قد ألحق بها عشرات وعشرات، من الأحكام والضوابط والأمثلة والتفسير والحجاج والاستدلال، وبعض الأبواب الكاملة مما يحتاج إليه الكتاب، وأجرى تعديلات في كثير من التعبير والاقتباس والإحالات، وصوب بعض الأحكام والقيود والشواهد والأمثلة، وضرب على عدد وافر من النصوص لأنها لا تفي بالمراد. وقد وقف أبو حيان على هذا كله في"الممتع الكبير"، ورأى فيه زادًا غنيًّا تفتقر إليه نسخته التي يمتلكها ويرعاها بالتسديد والعناية، فنقل تلك الزيادات والتعديلات إلى حواشي نسخته، حتى صارت نموذجًا وافيًا بالإخراجة الأخيرة للكتاب، كما أرادها ابن عصفور. (الممتع، الطبعة الثامنة 1/ 5. وهذا لم يكن في هذه الأطروحة عند مناقشتها، بل أضفته عندما استنسخت هذه الأطروحة مرة ثانية سنة 2014 م)