من الجدل، والاستطراد، والبسط، والترجيح، والتعليل، أكثر من أصول الكتاب نفسه، بما في ذلك القواعد والشواهد، وهذه الخصيصة ظاهرة في كل قضية صرفية يتناولها ابن عصفور.
لقد تسنم كتاب الممتع ذروة الشهرة؛ حتى قلّ أنْ يخلو من مسائله كتاب من كتب المتأخرين، وكان أبو حيان الأندلسي معجبا به أيما إعجاب، يقدمه على ما سواه، فكان يقول: خير الكتب النحوية المتقدمة كتاب سيبويه، وأحسن ما وضعه المتأخرون كتاب التسهيل لابن مالك، وكتاب الممتع في التصريف لابن عصفور [1] .
ومن مظاهر عناية أبي حيان بهذا الكتاب أنه لخصه في كتاب سماه المبدع في التصريف، وكان الممتع لا يُفارق أبا حيان في حله وترحاله، لأنه كما يقول: أحسن ما في هذا الفن ترتيبا، وألخصه تهذيبا، وأجمعه تقسيما، وأقربه تفهيما [2] .
وقال ابن عبد الملك المراكشي في الممتع: ومصنفه في التصريف جليل نافع [3] ، أمَّا طاشكبري زاده فيصفه بأنه: من أمثل المبسوطات في علم التصريف [4] .
تاريخ تصنيف الممتع:
صنف ابن عصفور كتابه الممتع، وقدّمه إلى الأمير أبي بكر، عبد الله ابن أبي الأصبغ عبد العزيز ابن صاحب الرد [5] ، وقد صرح بذلك في خطبة كتابه، حيث أشاد بالأمير المذكور إشادة بالغة، وامتدح علمه وسماحته ومجده بقوله:
(إنْ ذُكرت العلوم فهو مالك عنانها، وفارس ميدانها، أو ذكرت السماحة فهو تاريخها وعنوانها، وحدقتها وإنسانها، أو عُدَّ المجد الموروث والمكتسب فناهيك به شرفًا سابقًا، وبأوائله فخرًا في فلك المجد سامقًا، الذي بذل جِدَّهُ [6] في نصر هذه الدعوة النبوية، ولم يألُ جهده في عضد هذه الدولة المتوكلية. أدام الله للمسلمين بركتها. فريد دهره، ووحيد عصره، أبو بكر ابن الشيخ الأكرم، العالم العلم، أبي الأصبغ ابن صاحب الرد، أدام الله علاءهم، وأنار بنجوم السعد سماءهم) [7] .
والمشهور أنّ ابن صاحب الرد كان أديبا شاعرا ذواقا لأطراف العلوم، وكان يغلب عليه الذكاء؛ حتى يُميله إلى التهور والحِدّة المفرطة، ولاه ابن هود في أول الأمر معقل رندة، ثم
(1) شوقي ضيف، المدارس النحوية، ص 320.
(2) أبو حيان، المبدع في التصريف، ص 46.
(3) الذيل والتكملة 5/ 414.
(4) مفتاح السعادة 1/ 135.
(5) صاحب الرد: هو ترجمان السلطان.
(6) الجدة: الاجتهاد والجهد.
(7) الممتع في التصريف 1/ 22 ــ 23.