فكيف إذا قتلهم من يقتص منهم؟
واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده وقلة أشياعك عنده، فتزود له ولما بعده من
الفزع الأكبر.
واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلًا غير منزلك الذي أنت فيه يطول فيه ثواؤك [1] ، ويفارقك أحباؤك، يسلمونك في قعره فريدًا وحيدًا، فتزود له ما يصحبك، {يوم يفرُّ المرءُ من أخيه * وأمِّه وأبيه * وصاحبته وبنيه} [2] .
واذكر يا أمير المؤمنين {إذا بُعثر ما في القبور * وحُصِّل ما في الصدور} [3] .
فالأسرار ظاهرة، والكِتَاب {لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها} [4] .
فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل [5] قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الضالين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، فتبوء بأوزارك وأوزار مع
أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالًا مع أثقالك.
ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك
في آخرتك.
ولا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدًا وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين {وقد عنت الوجوه للحيِّ القيوم} .
إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى قبلي فلم آلك شفقة
ونصحا [6] .
فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في
(1) ثواؤك أي يطول فيه إقامتك وهو كناية عن القبر والإقامة فيه.
(2) سورة عبس الآيات (34، 35، 36)
(3) سورة العاديات الآيتان (9 - 10) .
(4) سورة الكهف الآية (49) .
(5) المهل التؤدة والسكينة.
(6) لم أقصّر ولم أبخل في نصحك شفقة ونصحا.